مناهج النقد الادبي السياقية
- تجويد
-
Topic Author
- Offline
- مشرف سابق
-
Less
More
قبل 16 سنوات 4 شهور #1016
by تجويد
اللهم أرحم والدي وأجعل قبره روضا من رياض الجنة
مناهج النقد الادبي السياقية was created by تجويد
[size=200:3m5j7m5y][align=center]
المنهج التاريخي في الأدب
قراءة نقدية
خالص مسور
المنهج، لغةً، هو "الطريق الواضح"، واصطلاحًا، هو خطوات منظمة يتخذها الباحث لمعالجة مسألة أو أكثر ويتتبَّعها للوصول إلى نتيجة. وبناءً عليه، فالمنهج التاريخي للأدب هو المنهج الذي يصار فيه إلى دراسة الأديب وأدبه أو الشاعر وشعره من خلال معرفة سيرته ومعرفة البيئة التي عاش فيها ومدى تأثيرها في نتاجه الأدبي أو الشعري؛ في عبارة أخرى، هو المنهج الذي يُعنى بدراسة الأديب، بمعرفة العصر الذي عاش فيه والأحداث العامة والخاصة التي مرَّ بها، وبدراسة النص في ضوء حياة ذلك الأديب وسيرته والظروف التي أثَّرت عليه. أي أن الأحداث التاريخية وشخصية الأديب يمكن لها أن تكون هنا عوامل مساعِدة على تحليل النص الأدبي وتفسيره. ولهذا نرى أن هذا المنهج يعمل على إبراز الظروف التاريخية والاجتماعية التي أُنتِجَ فيها النص، دون الاهتمام كثيرًا بالمستويات الدلالية الأخرى التي يكشف عنها هذا النص ودراسة مدى تأثيره على القارئ، بعكس النظريات النقدية الحديثة، كالبنيوية والتفكيكية، اللتين أعطتا السلطةَ للقارئ وجعلتاه سيدًا على النص الأدبي لا ينازعه منازع.
يتخذ المنهج التاريخي، إذن، من الحوادث التاريخية والاجتماعية والسياسية وسيلةً لتفسير الأدب وتعليل ظواهره وخصائصه، ويركِّز على تحقيق النصوص وتوثيقها باستحضار بيئة الأديب والشاعر وحياتهما؛ فهو، في قول آخر، قراءة تاريخية في خطاب النقد الأدبي تحاول تفسير نشأة الأثر الأدبي بربطه بزمانه ومكانه وشخصياته. أي أن التاريخ هنا يكون خادمًا للنص؛ ودراسته لا تكون هدفًا قائمًا بذاته، بل تتعلق بخدمة هذا النص.
في مثل هذه الحالات، لا بدَّ للناقد من التحقق من صحة الرواية الأدبية بالشك فيها، من حيث إن مبدأ الشك مبدأ علمي يجب أن يستعان به من أجل البحث عن الحقيقة وتوثيقها (في المرويات التاريخية والتراثية في شكل خاص) ومن أجل التحقق من مكان حدوث ظاهرة ما وزمانه، وصولاً من خلال ذلك إلى الحقيقة واليقين، وخاصة في الأدب الشفاهي. من ناحية أخرى، يتعامل هذا المنهج مع النص الأدبي كوثيقة تاريخية، فلا يلتفت إلى القيم الجمالية والفنية كثيرًا، أي لا يبحث في النص من حيث شكله الفني ومعماريَّته الجمالية وإيقاعه.
ويذهب المنهج التاريخي في النقد، في شكل خاص، إلى التنبيه إلى أهمية ما هو خارج النص ومعرفة سياقاته. وبهذه الطريقة، لجأ النقاد إلى استنباط القيم من الواقع الخارجي ومما هو متخصص من الأبحاث للتوصل إلى مجموعة من التراكيب والتأويلات، حتى وصل الأمر بأنصار المنهج إلى حدِّ الإسراف والمغالاة في الجمع بين البيئة والأدب، إذ جعلوا من هذا الأخير بمثابة "ظل" ينساق وراء ركب البيئة. وقد شوهت هذه "الظلال" الكثير من الأمور الإبداعية لدى الأدباء والشعراء معًا.
المنهج التاريخي، كما رأينا، يعول كثيرًا على دور البيئة والتاريخ في الأدب والشعر. وقد اعتمد عليه عددٌ من النقاد العرب القدماء لدراسة الأدباء والشعراء في بيئاتهم، أمثال عبد العزيز وعبد القاهر الجرجاني وابن سلام وغيرهم ممَّن توصلوا بحسِّهم السليم إلى أثر بيئة البادية في شعر العرب مثلاً، فقالوا إن شعر البادية يمتاز بالخشونة والجفاف، – بعكس شعر الحَضَر الذي يغلب عليه طابعُ الرقة واللين، – تبدو على سيمائه آثار قسوة الطبيعة وعنفوانها، كما أن آثار الديار المهجورة ورسومها المندثرة التي كادت الرياح والأمطار تمحو معالمها تذكِّر الشاعر العربي على الدوام بحبِّه القديم وتحفزه على قول النسيب الحزين الذي تُستهَل به القصيدة العربية القديمة عادة. بالمثل، فسَّروا قلة الشعر في الطائف بقلَّة الحروب والمنازعات التي كانت ترخي العنان لألسنة الشعراء وخيالهم الخصب في التغنِّي بالبطولة والأبطال وبمآسي الحروب وتبعاتها المريرة.
وأقصد هنا بـ"الأدب" كلاًّ من الشعر والقصة والرواية والحكاية والمسرح إلخ. فالأدب من وظائفه الإسهام في كشف جوانب غامضة من الواقع وفي إعادة التوازن بين الأنا والآخر. وأداته اللغة التي هي لفظ ومعنى، دال ومدلول: دال هو الصورة الصوتية للكلمة، ومدلول هو الصوت الذي اصطلح الناس على معناه ومغزاه؛ وهي مجمل الفكر البشري معبَّرًا عنه بالأسلوب الفني.
إن ما ينشده أصحاب المدرسة التاريخية في الأدب يجدونه منقوشًا على حروف اللغة وكلماتها. يقول فردينان دو سوسور (1857-1913) إن اللغة "نظام إشارات تعبِّر عن الأفكار"؛ أي أن اللغة تحمل الفكر وتنقله من المرسِل إلى المرسَل إليه أو المتلقي. بينما يرى ابن جني الطبيعة الاجتماعية للُّغة، إذ هي لديه "أصوات يعبِّر بها كلُّ قوم عن أغراضهم". ولكني أرى أن اللغة أكثر من مجرد ناقل للأفكار، بمعنى أن للُّغة جانبَها السرِّي: هي مهمة مكتوبة بـ"حبر سرِّي"، لا يفك رموزها سوى خبير متمرس. فقد تراكم على حروفها غبار التاريخ، وعبق البيئة الطبيعية، وأساطير الناس، ولوحات حياتهم الاجتماعية، وإبداعاتهم التراثية أيضًا، وحتى الجوانب النفسية، مسجَّلة كلها على أشرطة اللغة، بنغمات حروفها، وجرْس كلماتها الجميلة والمعبِّرة في آن. ولهذا يمكن للنصِّ اللغوي سدُّ الكثير من الثغرات العلمية: أي يمكن لنا من خلاله استخلاص الكثير مما نريد التعرف إليه من العناصر. فالنص اللغوي يحمل دومًا في طياته إيحاءاتٍ جغرافيةً وتاريخيةً واجتماعيةً وبيئيةً وتراثية، كما يحمل فضاءات النفس البشرية، وصورةً عن العقلية والمفاهيم الشعبية الدارجة – وهذه كلها تأتي بعد بحث واستقصاء مفيدين، وبعد وضع النص في إطاره الزماني والمكاني اللذين أُنتِجَ فيهما، أو ما يُعرَف بمتابعة التطور الدلالي للنص. فللشاعر القدرة على استحضار وقائع التاريخ وشخصياته، يضيف إليها بُعدًا يستجلي من خلاله صورةَ العصر وما فيه من أحداث، فينفخ فيها من روحه وذاته، من خلال النص الأدبي الذي تحكمه معايير نقدية نابعة من صلبه.
ممارسة النقد، من هذا المنظور، ينبغي أن تبقى رهينة رصد عملية الإفراز الدلالي للنص، ومتابعة منعرجاته وتضاريسه؛ بينما كانت المفاهيم النقدية العربية القديمة تقوم على الحُسْن والقبح، وهما مفهومان قيميان تراعى فيها إجادةُ الصنعة ورداءة السبك. فالنقد، من هذا المنظور، هو وسيلة التغيير والبحث الدؤوب عما سكت عنه النص، لأن اللغة، كما هو معلوم في الدراسات الأدبية التأويلية، هي فضاءات الوظيفة النقدية الفسيحة.
ولذلك أصبحت الكلمة، بحسب النقود الحديثة، قطعة من الوجود وحضور كيان وجسم، ووجهًا من وجوه التجربة الإنسانية، وأصبح لها طعم ومذاق خاص، كما في قصيدة "نكروما" للشاعر السوداني محمد الفيتوري التي يقول فيها:
كلماتي أجساد ضحايا مصلوبين على الطرقات
كلماتي أحشاء حبلى تتلوى تحت الطعنات
كلماتي أصوات حياة لا تعرف موت الكلمات
هاهنا، كما نرى، تتماهى الكلمةُ في جلاء مع الوجود والجسد البشري تمامًا.
وبما أن اللغة هي مادة الأدب، فهي ليست مجرد مادة هامدة كالحجر، وإنما هي ذاتها من إبداع الإنسان؛ ولذلك فهي مشحونة بالتراث الثقافي لكلِّ مجموعة لغوية. وبذا يذهب الناقد الفرنسي هيپولت تين (1828-1893) في كتابه تاريخ الأدب الإنكليزي (1864) إلى حدِّ القول بأن باستطاعة المؤرخ أن يفسر آداب الشعوب والأفراد في ضوء ثالوث العِرق والبيئة والعصر؛ وبهذه العناصر الثلاثة حاول أن يفسِّر الاختلاف بين أدب الإنكليز وآداب الآخرين غيرهم. وقد انتقد منهجَه التعميمي هذا غوستاف لانسون (1857-1934) الذي قال بأن على مؤرخي الأدب التمييز بين تاريخ الأدب والتاريخ العام، لأن تاريخ الأدب يدرس ماضيًا مستمرًّا في الحاضر، ولأن الأعمال الأدبية تحوي قيمًا جمالية وإنسانية باقية، في حين أن التاريخ العام يدرس ماضيًا منقطعًا عن الحاضر، فلا يُنتفَع منه.
ولهذا دار خلافٌ بين النقاد، عربًا وغير عرب، بين رأيين في المنهج التاريخي لدراسة الأدب والشعر: الرأي الأول يرى وجوب معرفة الأديب من أدبه والشاعر من شعره، بينما الرأي الثاني يرى وجوب معرفة الأديب أو الشاعر من خلال بيئته التي نشأ فيها وما يحمله من غبارها وآثارها. الرأي الأول يمثِّل له العديد من دارسي الأدب والشعر في العالم، ومنهم الناقد الفرنسي سانت بوف (1804-1869) الذي يرى وجوب أن "يؤخذ من دواة كلِّ مؤلِّف الحبرُ الذي يُراد رسمُه به"؛ في عبارة أخرى، يحاول سانت بوف الوصول إلى شخصية المؤلِّف من وراء عباراته بحيث يفهمه قراؤه.
من مؤيِّدي هذا الرأي في العالم العربي عباس محمود العقاد، الذي تميَّز بمناداته بالحرية والفردية في الأدب. وقد ذهب العقاد إلى حدِّ القول بأن الأديب يجب أن يُعرَف من أدبه والشاعر من شعره، وليس العكس، فقال: "إن الأديب الذي لا يمكن العثور على شخصه الفرد الأصيل في أدبه لا يستحق أن يدرسه الدارسون." ولهذا ألَّف كتابه عن ابن الرومي بعنوان ابن الرومي: حياته من شعره. وقد سار معه على هذا المنوال جماعة "الديوان"، كعبد الرحمن شكري وإبراهيم عبد القادر المازني وغيرهما – وإنْ كان العقاد قد ناقض نفسه، فعاد مرة ليقول إن معرفة البيئة ضرورية في نقد كلِّ شعر في كلِّ أمة (مندور، النقد والنقاد المعاصرون).
بينما يمثل الرأي الثاني الشاعر والناقد الإنكليزي صموئيل كولريدج (1772-1834)، الذي كان يقيم على الدوام العلاقةَ بين الكاتب وبيئته، بما معناه أن الكاتب يحمل في سيمائه آثار البيئة التي نشأ فيها، مما يمكِّننا من معرفته من خلالها تمامًا. وقد ذهب مذهبه طه حسين بمنهجه القائل بضرورة معرفة الشاعر والأديب من بيئتهما. ولهذا كان طه حسين يحرص دومًا على التأكيد على دور الذوق في النص الأدبي، لأن الذوق يُعَد عاملاً من العوامل التي يعتمد عليها الناقد التاريخي في دراسة الظاهرة الأدبية، ولأن التاريخ الأدبي لا يستطيع أن يكون بحثًا موضوعيًّا بالكامل، إذ هو شيء وسط، فيه موضوعية العلم وفيه ذاتية الأدب؛ وبالتالي، فليست هناك معرفة أدبية تغني عن الذوق التأثُّري. فالنقد الذي يتبع المنهج التاريخي لا يستطيع أن يعتمد مناهج البحث العلمي البحت وحده، وإنما يضطر معه إلى دراسة الذوق – هذه الملكة الشخصية الفردية – للوصول منها إلى الكثير من النتائج التي يتوخاها.
هذا، وعلى الرغم من واقعية الرأي الأول القائل بوجوب معرفة الشاعر من شعره، إلا أن هذا الرأي يُظهِر، بدوره، ضيق أفق في نظرته قليلاً، لأنه قد لا يمكن معرفة الشعراء كلهم من شعرهم ولا الأدباء كلهم من آدابهم (هوميروس الإغريقي مثلاً)؛ ولكنه يبقى من المناهج المفضَّلة في دراسة الأدب والنصوص التراثية. فمنطق هذه الدراسة هو أن الأديب أو الشاعر لا يتأثر بكلِّيته بالبيئة، وإنما هناك في دواخل كلِّ شاعر وأديب أحاسيس وأشياء تتمرد على البيئة وعلى قوانينها مما لا يمكن لها التحكم بها أبدًا. على حين يرى معظم النقاد أن المنهج الأكثر صوابًا وحكمة هو المنهج الذي تتفاعل فيه شخصية الأديب مع الظروف التاريخية، حتى نصل، من خلال هذا التماهي، إلى معرفة شخصية الأديب الحقيقية. فعلى الناقد الذي يتصدى لقراءة النص قراءةً نقدية أن يغوص في النص ويندمج معه اندماجًا روحيًّا وعقليًّا وفنيًّا، تمامًا كما غاص فيه مُنشِئُه ومبدعُه، ليصل إلى اكتناه جوهره الحقيقي وما يشير إليه من قيم ومفاهيم.
كذا فلا يحق للناقد التفكيكي أن ينظر إلى النص من خلال رؤيته النقدية الحديثة، بل عليه أن يحكم عليه من خلال المعيار الفنِّي الذي ساد في عصر النص والبيئة التي أنتجه. فعلى سبيل المثال، يذهب النقد الحديث إلى وجوب النظر إلى "الوحدة العضوية" للقصيدة العربية القديمة. وهذا ما قال به ابن رشيق القيرواني، وقال به العقاد أيضًا، متأثرًا بكولريدج، الذي أطلق مصطلح organic structure، أي "البنية العضوية" للقصيدة. كما نظرت البنيوية إلى النص بالمنظار نفسه، ورأت أن تفتيت عناصر النص كلٍّ على حدة ينجم عنه فقدان قوام النص بأكمله: فكل عنصر لا يتحقق وجوده إلا في علاقته مع العناصر الأخرى، ثم في علاقته بالكلِّ البنائي للنص الأدبي (الوائلي، تدفق الينبوع). وهو صحيح إلى حدٍّ ما، مع أنه قد ثبت أن ذلك لا يمكن تطبيقه إلا في الألوان الأدبية التي لها مقدمة ووسط وخاتمة، كالسرد القصصي والرواية والمسرحية والشعر القصصي والمسرحي كذلك (في الوقت الذي كان النقاد العرب القدماء يفضلون في القصيدة العربية استقلالية البيت الواحد، ولم يعدوا في ذلك عيبًا، وخاصة في قصائد الشعر الجاهلي). ولهذا نقول إن وحدة الغرض هو المعيار الأصح والتعبير الأنسب عن مضمون القصيدة العربية (الجاهلية منها خاصة)، لأن القصيدة العربية القديمة – بخلاف الحديثة – أصابها التفكك من جراء استقلالية البيت الواحد وتنوع أغراض القصيدة الطللية ما بين الوقوف على الأطلال أو البدء بالنسيب كمقدمة للقصيدة، يليها الغرض الرئيسي للقصيدة ومبتغاها، كالمدح أو الذم مثلاً. وهذا ما لا يمكن محاسبة الشاعر الجاهلي عليه بحسب نظرية "الوحدة العضوية" بمقاييسنا الحالية.
وقد وقع أحمد شوقي نفسه في مأزق هذا التفكك حينما قلَّد القدماء بقصيدة يمدح فيها خديوي مصر فقال:
خدعوها بقولهم حسناء والغواني يغرُّهن الثنـاء
ثم تابع مديحَه للخديوي. نقول هنا إن شوقي وقع في مأزق، لأن تقليد الشعر الجاهلي، بمحاكاة تشبيهاته واستعاراته وتعبيراته وأساليبه، يُعَد أسلوبًا مرفوضًا لدى النقاد، حيث يؤدي ذلك بالشاعر إلى أن يعيش ويتنفس برئات الآخرين وأنفاسهم، وليعيش في عصر ليس عصره. فإذا طبَّقنا معايير النقد الحديث على الشعر العربي الجاهلي نكون أجحفنا بحقِّ هذا الأدب، لأن النقد الحديث يدرس القصيدة من خلال "الوحدة السياقية" في القصيدة وكلِّيتها وتماسُكها وتكاملها، بينما تتنوع الأغراض في القصيدة الجاهلية، والشاعر ينقل ما يراه حوله، وليس ما نراه نحن. لذا فإن الناقد، حين يمارس نقده، عليه أن يعمد دومًا إلى استنطاق العناصر الفنية للنص في ضوء المناهج النقدية والعلوم المساعدة، من جهة، وفي ضوء ما يملكه من أدوات ذاتية وموضوعية تعيد إنتاج النص في شكل جيد، دون أن يهمل دلائله التوثيقية، من جهة أخرى.
وهنا يتنازع النص مفهومان: مفهوم القيمة التاريخية، ومفهوم النقد المنهجي المنفتح على دلائل كثيرة، لأن الشعر، في شكل خاص، يواكب التطورات التاريخية والفكرية. يقول ابن طباطبا العلوي:
اعلم أن العرب أودعت أشعارَها من الأوصاف والتشبيهات والحِكَم ما أحاطت به معرفتُها وأدركه عيانُها ومرَّتْ به تجاربُها [...].
وهنا نلمس في الشعر حِكَمًا ومعارف وتجارب وخبرات منفتحة على الحياة لعصر معيَّن يمكن لنا استخلاصها منه بدراسة نقدية جادة وهادفة. وقال أبو عمرو بن العلاء: "كان الشعر علم قوم، لم يكن لهم علم أصح منه." ولهذا كثيرًا ما اتخذ الجغرافيون والمؤرخون الشعرَ مصدرًا يستقون منه معلوماتهم. فهذا هو الجانب الذي يجب أن يُعتَد به، إلى حدٍّ ما، في الدراسة المنهجية التاريخية للأدب: أي أن نستدل من قراءة النصوص على شخصية مبدعيها وروح العصر ونفس الشعب، وليس العكس، على الرغم من المحاذير الكثيرة لهذه المقاربة: إذ علينا ألا نجعل التاريخ حَكَمًا على النص، بل أن نستنطق النصَّ ونستخلص منه ما يتعلق به من مفاهيم وإيحاءات تفيدنا في إعطاء معلومات قد تغْني معارفنا العلمية قليلاً أو كثيرًا وتفيد في دراسة وتصوير جوانب الحياة الإنسانية وبيئتها، كما واختلاجات قلب الشاعر وشاعريته، لأن النصوص هي مسارح أنفاس المبدع ودلائل معاناته.
على الرغم من هذا، فقد انتقصت الدراسات الحديثة من دور البيئة التي تدخل ضمن المنهج التاريخي في النقود الأوربية الحديثة. وقد أعلن بعضهم في الغرب مؤخرًا إفلاس المنهج التاريخي في الدراسات الأدبية بسبب المعايير التي سنأتي على ذكرها لاحقًا، حتى طالَبَ بعض النقاد العرب ودارسو الأدب بحرق جميع الكتب المدرسية العربية التي تتناول تاريخ الأدب العربي لأنها ترسم للآخرين صورًا مشوهة عن العرب في جزيرتهم العربية. وأعتقد أن هذا رأي مبالغ فيه كثيرًا!
وقد ذهب آخرون إلى القول برفض تاريخ الأدب لأنه يستعير مبادئه من التاريخ، ولأنه يسعى إلى أن يزوِّده بطرائق للبحث تتفق وصور العلم التي كانت سائدة لدى الأقدمين العاملين في حقل التاريخ، كما فعل الفرنسي فردينان برونوتيير (1849-1906)، خصم المدرسة الطبيعية اللدود، الذي ثار على إقحام النظريات العلمية في الأدب، فقال إن المواعظ الدينية هي التي تطورت فأنتجت المذهب الرومانسي. بالمثل، رفض التقيد بطرائق التاريخ؛ إذ يؤدي هذا التقيد إلى دراسة الأدب بموجب منهجيات قديمة ومستعارة لا تنطلق من جوهر المادة الأدبية ولا تؤدي إلى مقدمات ونتائج سليمة.
غير أن هناك محاذير في المنهج التاريخي قد تسيء إلى عملية دراسة معرفة الشاعر وروح العصر من الأدب والشعر. ففي الأدب العربي (في الشعر خاصة) نصادف على الدوام إشارات غنية، يتوزَّعها المعنى الغريب والطرفة الضاحكة والوصف المبتكر. غير أننا يجب ألا نغترَّ بهذه المنعكسات التي ترين على سيمائها بصماتُ قصور السلاطين والمتنفذين وروائح نواديهم وملاهيهم وندمائهم الأثيرين، في معزل عن الحياة الاجتماعية للسواد الأعظم من الناس. فإذا اقتصرنا على مثل هذه الإشارات في الأدب التاريخي نكون قد وقعنا في لعبة التعميم الخاطئ الذي يضيع من جرائه المسكوت عنه في لجَّة الكلمات المعبِّرة عن حياة السلاطين وندمائهم، دون أن نرى شيئًا من منعكسات الحالة الاجتماعية الأدنى مستوى، إلا في ما حواه الأدب العامِّي في الروايات والقصص. وهذه الازدواجية في الأدب تشكِّل ظاهرة غير صحية أمام مهمة الأدب التاريخية والاجتماعية.
في ضوء هذه الدراسة التاريخية، نشأ ما يُعرَف بـ"تاريخ الأدب العربي" الذي استحوذ على اهتمام عدد من الرواد من العهد الإسلامي، كأبي الفرج الأصفهاني مثلاً في كتابه الأغاني، الذي يروي فيه النصوص روايةً متسلسلة عن الرواة؛ ومثله أبو علي القالي في كتابه الأمالي والثعالبي في يتيمة الدهر. وفي العصر الحديث، تجلَّى المنهج التاريخي لدى حسين توفيق العدل في كتابه تاريخ الأدب، وفيه يعتقد الرجل أن التاريخ الأدبي للغة تابع للدين والسياسة في آنٍ واحد؛ ثم أحمد الإسكندري وكتابه الوسيط، وأحمد حسن الزيات وكتابه تاريخ الأدب. وبعد هؤلاء، كان هناك عدد من الأدباء، منهم جرجي زيدان الذي ألَّف العديد من الروايات التاريخية وكتابه الشهير تاريخ آداب اللغة، ثم طه حسين في ذكرى أبي العلاء وفي الأدب الجاهلي إلخ. إلا أن مقومات المنهج التاريخي لدى هؤلاء بقيت تدور في أُطُر ضيقة محصورة في بوتقة التاريخ وحده، ولم تستطع الإفلات منه لتخرج إلى ميادين البحث التي سيطرت على المناهج الغربية، كما هي الحال لدى غوستاف لانسون، بل بقيت تعتمد الانتقائية التي جرَّدتها من الروح العلمية التي كانت تسعى إليها التاريخيةُ في الأدب مؤخرًا. أولئك جميعًا ابتعدوا كثيرًا عن توجيه النصوص الوجهة الصحيحة. ففي حين اعتمد غوستاف لانسون على الاستقصاء التفصيلي في دراساته الأدبية (وهو ما تميزت به الدراسةُ التاريخية في الغرب) بالابتعاد عن إطلاق الأحكام النهائية والقاطعة، اعتمد الأدباء عندنا على مواقف انتقائية وعلى الجزم والقطع، فعمَّموا ذلك على عصر بكامله، كما فعل طه حسين، مثلاً، حينما انكب على دراسة شعر المجون في العصر العباسي، فجعل من ظاهرة المجون روح العصر بكامله! ومن تأكيداته القاطعة ننتقي العبارات التالية:
إن الترجمة من الهندية أوجدت الزهد، نظرًا لورود الكثير من الإشارات الدينية البراهمية لدى المتصوفة المسلمين.
اتساع نفوذ الفرس أوجد المجون، نظرًا لانتشار الحضارة لدى الفرس وميلهم نحو الترف والنساء.
عزلة الحجاز سياسيًّا أوجدت الغزل.
كثرة الجواري أوجدت الغناء، لأن الجواري كان بعضهن يتقن الغناء في موطنهن، كما تعلَّم بعضهن الغناء للترفيه عن الخلفاء وأسيادهن.
وهي كلُّها أحكام قاطعة في حاجة إلى استقصاءات وبحوث تاريخية مستفيضة. ومن سيئات القراءة المنهجية للتاريخية في الأدب أيضًا أنها قد لا تلتفت إلى "الذات" التي أنتجت النص، بل إلى ما قيل فيه النص، لأن الشاعر أو الأديب قد لا يكون لهما وجود إلا من خلال السلطان؛ ولذلك تتغاضى عن عملية الإبداع نوعًا ما. وهناك عائق آخر أمام تلك الدراسات التاريخية، بسببه ربما أعلن النقد الحديث أن المنهج التاريخي للأدب قد مُنِيَ بالإفلاس، وهو إهماله الحاسم للمكان في النص. وفي هذا الصدد كثيرًا ما أعلن أبو نواس عن تبرُّمه من استمرار الشعراء في الوقوف على الأطلال حتى في العهد الإسلامي (وقد رأينا كيف وقع شوقي في هذا المطب أيضًا!)، حيث كان الشعراء يقفون أمام أبنية متهدمة بدلاً من الأطلال، ويصوِّرون الخرائب تصويرًا في غاية الروعة والجمال. وبذلك علا صوت النقاد بالاحتجاج على ما يحصل للأدب هنا، بالإضافة إلى أن التاريخ تحول، في هذه الحال، من وصف الأشياء إلى الحُكم عليها.
كما تملَّقت التاريخيةُ السياسةَ وجعلت الأدب تابعًا للسياسة تبعية مبالغًا فيها، بعكس الحقيقة التي تقول بأن الأدب هو مفجِّر الثورات والممهد لها، كما هي الحال مع أدباء فرنسا الذين عجَّلوا بكتاباتهم في قيام الثورة الفرنسية (1789). وبذلك كانت متابعة الأدب للسياسة تشكِّل هاجسًا لدى النقاد ودارسي الأدب، الذين سيقرون سلفًا ببعض الآراء؛ بل إن نصوصها زودتْهم بآراء قد لا يحسون بتسلُّلها إليهم وسلطانها عليهم.
وكمثال على ترابُط الماضي بالحاضر وفوائد النصوص التراثية والتاريخية واستخلاص النتائج منها، سأورد – على سبيل المثال – نموذجين اثنين من التراث العربي: الأول هو قول النابغة في الملدوغ الذي كانت العرب تسميه سليمًا:
ويسهد من ليل التمام سليمها لحليِّ النسـاء في يديه قعاقع
لاحظوا هنا ما نستخلصه من خلال القراءة التاريخية المختصرة من هذا البيت ومغزاه التاريخي: البيت يشير في وضوح إلى عادة عربية قديمة تتمثل في معالجة الملدوغ الذي كانوا يضعون في يديه ورجليه الأساور والحلي والأجراس لئلا ينام، لأنهم أدركوا أن السمَّ أسرع انتشارًا في الجسم في حال النوم منه في حال اليقظة (وهذا ما أثبته العلم الحديث اليوم). صحيح أننا لم نذكر الصور الفنية أو الموسيقى والإيقاع في هذه العجالة، فاكتفينا بإبراز العادة العربية الجاهلية، لكننا استطعنا أن نستخلص هنا، من خلال معرفتنا بالتاريخ والتراث العربيين، معنى كلمة "سليمها"؛ أي استدللنا من البيئة (كأحد عناصر المنهج التاريخي) على مغزى الكلمة ومعناها، وتجاهَلنا الشاعر، قائل هذا البيت وصاحبه. فلو وضعنا هذا البيت أمام ناقد يجهل تراث المنطقة وبيئتها لاحتار في دراسته ومعناه ولما توصل في هذه الحالة إلى نتيجة مرضية، مهما طبَّق عليه من مناهج بنيوية أو تأويلية أو تفكيكية حديثة؛ إذ سيكتفي منها إذ ذاك بالعموميات. وفي مثل هذه الحالات – وليس في الحالات كلِّها – قد يفيدنا المنهج التاريخي، بهذا الشكل أو ذاك – لكن مع الحذر الشديد لئلا يأخذنا المنهج إلى أحد مطبَّات التاريخ!
مثال آخر يكشف عن عادة عربية قديمة قد يفيد أيضًا في توضيح المنهج التاريخي، وهو قول الربيع بن زياد حينما قُتل أخوه مالك في إحدى غزوات القبائل المستمرة آنذاك:
قد كنَّ يخبِّئن الوجـوهَ تستُّرًا فالآن حيـن برزن للنـظَّـار
يضـربن وجوههنَّ على فتى عفِّ الشَّـمائل طيِّب الأخبـار
وفي هذا نلاحظ أيضًا إشارة إلى عادة تاريخية لدى العرب، وهي أنهم كانوا يمسكون عن ندب قتيلهم حتى يأخذوا بثأره، وعندما يثأرون له، يسمحون للنادبات بالندب وللباكيات بالبكاء على القتيل وتعداد مناقبه وفضائله. وهذا هو مضمون البيتين تحديدًا. وهكذا فقد علمنا معنى البيتين المعجمي في سهولة؛ لكن السؤال الأهم هو: لماذا كانت النسوة "يخبِّئن الوجوه تسترًا" ثم "يبرزنها للنظار الآن"؟ لا شك أنه لا يمكن لنا معرفة السبب من البيتين وحدهما مطلقًا، فلجأنا إلى التاريخ والتراث معًا لتوضيح هذا السبب. هذا الأمر كان يثني النقاد العرب القدماء عن البحث كثيرًا عن الصور الفنية وجماليات التلقِّي في قصائد شعرائهم، بخلاف المناهج الحديثة التي كانت غائبة عنهم.
علينا أن ندرك أن الأدب – وفي شكل نسبي، وأشدد هنا على كلمة "نسبي" – يمثل تاريخ أهله وخطابهم الفكري والاجتماعي والفني وحاجاتهم المتنوعة الأخرى في كلِّ مرحلة من مراحل تطورهم. أي أن الشعر والأدب يحويان سمةً جماليةً ودلاليةً تاريخيةً في آنٍ واحد. وهنا أرى أن أفضل النقود لدراسة مثل هذه النصوص هو استخدام منهج النقد التكاملي الذي يجمع بين مناهج نقدية مختلفة في دراسة خلال نصٍّ واحد، حتى نأتي على جميع جوانب النص وما تحمله من قيم إبداعية وفنية وجمالية وبيئية وتاريخية.
*** *** ***
المصادر والمراجع
- إسماعيل، عز الدين، الشعر العربي المعاصر: قضاياه وظواهره الفنية.
- بلوحي، محمد، آليات الخطاب النقدي.
- دراسات في الأدب العربي.
- السيوطي، المزهر في علوم اللغة.
- علامات (مجلة) في النقد، 54، المجلد 14.
- مندور، محمد، النقد والنقاد المعاصرون.
- الوائلي، كريم، تدفق الينبوع.
- الوائلي، كريم، في الشعر الجاهلي. [/align][/size]
المنهج التاريخي في الأدب
قراءة نقدية
خالص مسور
المنهج، لغةً، هو "الطريق الواضح"، واصطلاحًا، هو خطوات منظمة يتخذها الباحث لمعالجة مسألة أو أكثر ويتتبَّعها للوصول إلى نتيجة. وبناءً عليه، فالمنهج التاريخي للأدب هو المنهج الذي يصار فيه إلى دراسة الأديب وأدبه أو الشاعر وشعره من خلال معرفة سيرته ومعرفة البيئة التي عاش فيها ومدى تأثيرها في نتاجه الأدبي أو الشعري؛ في عبارة أخرى، هو المنهج الذي يُعنى بدراسة الأديب، بمعرفة العصر الذي عاش فيه والأحداث العامة والخاصة التي مرَّ بها، وبدراسة النص في ضوء حياة ذلك الأديب وسيرته والظروف التي أثَّرت عليه. أي أن الأحداث التاريخية وشخصية الأديب يمكن لها أن تكون هنا عوامل مساعِدة على تحليل النص الأدبي وتفسيره. ولهذا نرى أن هذا المنهج يعمل على إبراز الظروف التاريخية والاجتماعية التي أُنتِجَ فيها النص، دون الاهتمام كثيرًا بالمستويات الدلالية الأخرى التي يكشف عنها هذا النص ودراسة مدى تأثيره على القارئ، بعكس النظريات النقدية الحديثة، كالبنيوية والتفكيكية، اللتين أعطتا السلطةَ للقارئ وجعلتاه سيدًا على النص الأدبي لا ينازعه منازع.
يتخذ المنهج التاريخي، إذن، من الحوادث التاريخية والاجتماعية والسياسية وسيلةً لتفسير الأدب وتعليل ظواهره وخصائصه، ويركِّز على تحقيق النصوص وتوثيقها باستحضار بيئة الأديب والشاعر وحياتهما؛ فهو، في قول آخر، قراءة تاريخية في خطاب النقد الأدبي تحاول تفسير نشأة الأثر الأدبي بربطه بزمانه ومكانه وشخصياته. أي أن التاريخ هنا يكون خادمًا للنص؛ ودراسته لا تكون هدفًا قائمًا بذاته، بل تتعلق بخدمة هذا النص.
في مثل هذه الحالات، لا بدَّ للناقد من التحقق من صحة الرواية الأدبية بالشك فيها، من حيث إن مبدأ الشك مبدأ علمي يجب أن يستعان به من أجل البحث عن الحقيقة وتوثيقها (في المرويات التاريخية والتراثية في شكل خاص) ومن أجل التحقق من مكان حدوث ظاهرة ما وزمانه، وصولاً من خلال ذلك إلى الحقيقة واليقين، وخاصة في الأدب الشفاهي. من ناحية أخرى، يتعامل هذا المنهج مع النص الأدبي كوثيقة تاريخية، فلا يلتفت إلى القيم الجمالية والفنية كثيرًا، أي لا يبحث في النص من حيث شكله الفني ومعماريَّته الجمالية وإيقاعه.
ويذهب المنهج التاريخي في النقد، في شكل خاص، إلى التنبيه إلى أهمية ما هو خارج النص ومعرفة سياقاته. وبهذه الطريقة، لجأ النقاد إلى استنباط القيم من الواقع الخارجي ومما هو متخصص من الأبحاث للتوصل إلى مجموعة من التراكيب والتأويلات، حتى وصل الأمر بأنصار المنهج إلى حدِّ الإسراف والمغالاة في الجمع بين البيئة والأدب، إذ جعلوا من هذا الأخير بمثابة "ظل" ينساق وراء ركب البيئة. وقد شوهت هذه "الظلال" الكثير من الأمور الإبداعية لدى الأدباء والشعراء معًا.
المنهج التاريخي، كما رأينا، يعول كثيرًا على دور البيئة والتاريخ في الأدب والشعر. وقد اعتمد عليه عددٌ من النقاد العرب القدماء لدراسة الأدباء والشعراء في بيئاتهم، أمثال عبد العزيز وعبد القاهر الجرجاني وابن سلام وغيرهم ممَّن توصلوا بحسِّهم السليم إلى أثر بيئة البادية في شعر العرب مثلاً، فقالوا إن شعر البادية يمتاز بالخشونة والجفاف، – بعكس شعر الحَضَر الذي يغلب عليه طابعُ الرقة واللين، – تبدو على سيمائه آثار قسوة الطبيعة وعنفوانها، كما أن آثار الديار المهجورة ورسومها المندثرة التي كادت الرياح والأمطار تمحو معالمها تذكِّر الشاعر العربي على الدوام بحبِّه القديم وتحفزه على قول النسيب الحزين الذي تُستهَل به القصيدة العربية القديمة عادة. بالمثل، فسَّروا قلة الشعر في الطائف بقلَّة الحروب والمنازعات التي كانت ترخي العنان لألسنة الشعراء وخيالهم الخصب في التغنِّي بالبطولة والأبطال وبمآسي الحروب وتبعاتها المريرة.
وأقصد هنا بـ"الأدب" كلاًّ من الشعر والقصة والرواية والحكاية والمسرح إلخ. فالأدب من وظائفه الإسهام في كشف جوانب غامضة من الواقع وفي إعادة التوازن بين الأنا والآخر. وأداته اللغة التي هي لفظ ومعنى، دال ومدلول: دال هو الصورة الصوتية للكلمة، ومدلول هو الصوت الذي اصطلح الناس على معناه ومغزاه؛ وهي مجمل الفكر البشري معبَّرًا عنه بالأسلوب الفني.
إن ما ينشده أصحاب المدرسة التاريخية في الأدب يجدونه منقوشًا على حروف اللغة وكلماتها. يقول فردينان دو سوسور (1857-1913) إن اللغة "نظام إشارات تعبِّر عن الأفكار"؛ أي أن اللغة تحمل الفكر وتنقله من المرسِل إلى المرسَل إليه أو المتلقي. بينما يرى ابن جني الطبيعة الاجتماعية للُّغة، إذ هي لديه "أصوات يعبِّر بها كلُّ قوم عن أغراضهم". ولكني أرى أن اللغة أكثر من مجرد ناقل للأفكار، بمعنى أن للُّغة جانبَها السرِّي: هي مهمة مكتوبة بـ"حبر سرِّي"، لا يفك رموزها سوى خبير متمرس. فقد تراكم على حروفها غبار التاريخ، وعبق البيئة الطبيعية، وأساطير الناس، ولوحات حياتهم الاجتماعية، وإبداعاتهم التراثية أيضًا، وحتى الجوانب النفسية، مسجَّلة كلها على أشرطة اللغة، بنغمات حروفها، وجرْس كلماتها الجميلة والمعبِّرة في آن. ولهذا يمكن للنصِّ اللغوي سدُّ الكثير من الثغرات العلمية: أي يمكن لنا من خلاله استخلاص الكثير مما نريد التعرف إليه من العناصر. فالنص اللغوي يحمل دومًا في طياته إيحاءاتٍ جغرافيةً وتاريخيةً واجتماعيةً وبيئيةً وتراثية، كما يحمل فضاءات النفس البشرية، وصورةً عن العقلية والمفاهيم الشعبية الدارجة – وهذه كلها تأتي بعد بحث واستقصاء مفيدين، وبعد وضع النص في إطاره الزماني والمكاني اللذين أُنتِجَ فيهما، أو ما يُعرَف بمتابعة التطور الدلالي للنص. فللشاعر القدرة على استحضار وقائع التاريخ وشخصياته، يضيف إليها بُعدًا يستجلي من خلاله صورةَ العصر وما فيه من أحداث، فينفخ فيها من روحه وذاته، من خلال النص الأدبي الذي تحكمه معايير نقدية نابعة من صلبه.
ممارسة النقد، من هذا المنظور، ينبغي أن تبقى رهينة رصد عملية الإفراز الدلالي للنص، ومتابعة منعرجاته وتضاريسه؛ بينما كانت المفاهيم النقدية العربية القديمة تقوم على الحُسْن والقبح، وهما مفهومان قيميان تراعى فيها إجادةُ الصنعة ورداءة السبك. فالنقد، من هذا المنظور، هو وسيلة التغيير والبحث الدؤوب عما سكت عنه النص، لأن اللغة، كما هو معلوم في الدراسات الأدبية التأويلية، هي فضاءات الوظيفة النقدية الفسيحة.
ولذلك أصبحت الكلمة، بحسب النقود الحديثة، قطعة من الوجود وحضور كيان وجسم، ووجهًا من وجوه التجربة الإنسانية، وأصبح لها طعم ومذاق خاص، كما في قصيدة "نكروما" للشاعر السوداني محمد الفيتوري التي يقول فيها:
كلماتي أجساد ضحايا مصلوبين على الطرقات
كلماتي أحشاء حبلى تتلوى تحت الطعنات
كلماتي أصوات حياة لا تعرف موت الكلمات
هاهنا، كما نرى، تتماهى الكلمةُ في جلاء مع الوجود والجسد البشري تمامًا.
وبما أن اللغة هي مادة الأدب، فهي ليست مجرد مادة هامدة كالحجر، وإنما هي ذاتها من إبداع الإنسان؛ ولذلك فهي مشحونة بالتراث الثقافي لكلِّ مجموعة لغوية. وبذا يذهب الناقد الفرنسي هيپولت تين (1828-1893) في كتابه تاريخ الأدب الإنكليزي (1864) إلى حدِّ القول بأن باستطاعة المؤرخ أن يفسر آداب الشعوب والأفراد في ضوء ثالوث العِرق والبيئة والعصر؛ وبهذه العناصر الثلاثة حاول أن يفسِّر الاختلاف بين أدب الإنكليز وآداب الآخرين غيرهم. وقد انتقد منهجَه التعميمي هذا غوستاف لانسون (1857-1934) الذي قال بأن على مؤرخي الأدب التمييز بين تاريخ الأدب والتاريخ العام، لأن تاريخ الأدب يدرس ماضيًا مستمرًّا في الحاضر، ولأن الأعمال الأدبية تحوي قيمًا جمالية وإنسانية باقية، في حين أن التاريخ العام يدرس ماضيًا منقطعًا عن الحاضر، فلا يُنتفَع منه.
ولهذا دار خلافٌ بين النقاد، عربًا وغير عرب، بين رأيين في المنهج التاريخي لدراسة الأدب والشعر: الرأي الأول يرى وجوب معرفة الأديب من أدبه والشاعر من شعره، بينما الرأي الثاني يرى وجوب معرفة الأديب أو الشاعر من خلال بيئته التي نشأ فيها وما يحمله من غبارها وآثارها. الرأي الأول يمثِّل له العديد من دارسي الأدب والشعر في العالم، ومنهم الناقد الفرنسي سانت بوف (1804-1869) الذي يرى وجوب أن "يؤخذ من دواة كلِّ مؤلِّف الحبرُ الذي يُراد رسمُه به"؛ في عبارة أخرى، يحاول سانت بوف الوصول إلى شخصية المؤلِّف من وراء عباراته بحيث يفهمه قراؤه.
من مؤيِّدي هذا الرأي في العالم العربي عباس محمود العقاد، الذي تميَّز بمناداته بالحرية والفردية في الأدب. وقد ذهب العقاد إلى حدِّ القول بأن الأديب يجب أن يُعرَف من أدبه والشاعر من شعره، وليس العكس، فقال: "إن الأديب الذي لا يمكن العثور على شخصه الفرد الأصيل في أدبه لا يستحق أن يدرسه الدارسون." ولهذا ألَّف كتابه عن ابن الرومي بعنوان ابن الرومي: حياته من شعره. وقد سار معه على هذا المنوال جماعة "الديوان"، كعبد الرحمن شكري وإبراهيم عبد القادر المازني وغيرهما – وإنْ كان العقاد قد ناقض نفسه، فعاد مرة ليقول إن معرفة البيئة ضرورية في نقد كلِّ شعر في كلِّ أمة (مندور، النقد والنقاد المعاصرون).
بينما يمثل الرأي الثاني الشاعر والناقد الإنكليزي صموئيل كولريدج (1772-1834)، الذي كان يقيم على الدوام العلاقةَ بين الكاتب وبيئته، بما معناه أن الكاتب يحمل في سيمائه آثار البيئة التي نشأ فيها، مما يمكِّننا من معرفته من خلالها تمامًا. وقد ذهب مذهبه طه حسين بمنهجه القائل بضرورة معرفة الشاعر والأديب من بيئتهما. ولهذا كان طه حسين يحرص دومًا على التأكيد على دور الذوق في النص الأدبي، لأن الذوق يُعَد عاملاً من العوامل التي يعتمد عليها الناقد التاريخي في دراسة الظاهرة الأدبية، ولأن التاريخ الأدبي لا يستطيع أن يكون بحثًا موضوعيًّا بالكامل، إذ هو شيء وسط، فيه موضوعية العلم وفيه ذاتية الأدب؛ وبالتالي، فليست هناك معرفة أدبية تغني عن الذوق التأثُّري. فالنقد الذي يتبع المنهج التاريخي لا يستطيع أن يعتمد مناهج البحث العلمي البحت وحده، وإنما يضطر معه إلى دراسة الذوق – هذه الملكة الشخصية الفردية – للوصول منها إلى الكثير من النتائج التي يتوخاها.
هذا، وعلى الرغم من واقعية الرأي الأول القائل بوجوب معرفة الشاعر من شعره، إلا أن هذا الرأي يُظهِر، بدوره، ضيق أفق في نظرته قليلاً، لأنه قد لا يمكن معرفة الشعراء كلهم من شعرهم ولا الأدباء كلهم من آدابهم (هوميروس الإغريقي مثلاً)؛ ولكنه يبقى من المناهج المفضَّلة في دراسة الأدب والنصوص التراثية. فمنطق هذه الدراسة هو أن الأديب أو الشاعر لا يتأثر بكلِّيته بالبيئة، وإنما هناك في دواخل كلِّ شاعر وأديب أحاسيس وأشياء تتمرد على البيئة وعلى قوانينها مما لا يمكن لها التحكم بها أبدًا. على حين يرى معظم النقاد أن المنهج الأكثر صوابًا وحكمة هو المنهج الذي تتفاعل فيه شخصية الأديب مع الظروف التاريخية، حتى نصل، من خلال هذا التماهي، إلى معرفة شخصية الأديب الحقيقية. فعلى الناقد الذي يتصدى لقراءة النص قراءةً نقدية أن يغوص في النص ويندمج معه اندماجًا روحيًّا وعقليًّا وفنيًّا، تمامًا كما غاص فيه مُنشِئُه ومبدعُه، ليصل إلى اكتناه جوهره الحقيقي وما يشير إليه من قيم ومفاهيم.
كذا فلا يحق للناقد التفكيكي أن ينظر إلى النص من خلال رؤيته النقدية الحديثة، بل عليه أن يحكم عليه من خلال المعيار الفنِّي الذي ساد في عصر النص والبيئة التي أنتجه. فعلى سبيل المثال، يذهب النقد الحديث إلى وجوب النظر إلى "الوحدة العضوية" للقصيدة العربية القديمة. وهذا ما قال به ابن رشيق القيرواني، وقال به العقاد أيضًا، متأثرًا بكولريدج، الذي أطلق مصطلح organic structure، أي "البنية العضوية" للقصيدة. كما نظرت البنيوية إلى النص بالمنظار نفسه، ورأت أن تفتيت عناصر النص كلٍّ على حدة ينجم عنه فقدان قوام النص بأكمله: فكل عنصر لا يتحقق وجوده إلا في علاقته مع العناصر الأخرى، ثم في علاقته بالكلِّ البنائي للنص الأدبي (الوائلي، تدفق الينبوع). وهو صحيح إلى حدٍّ ما، مع أنه قد ثبت أن ذلك لا يمكن تطبيقه إلا في الألوان الأدبية التي لها مقدمة ووسط وخاتمة، كالسرد القصصي والرواية والمسرحية والشعر القصصي والمسرحي كذلك (في الوقت الذي كان النقاد العرب القدماء يفضلون في القصيدة العربية استقلالية البيت الواحد، ولم يعدوا في ذلك عيبًا، وخاصة في قصائد الشعر الجاهلي). ولهذا نقول إن وحدة الغرض هو المعيار الأصح والتعبير الأنسب عن مضمون القصيدة العربية (الجاهلية منها خاصة)، لأن القصيدة العربية القديمة – بخلاف الحديثة – أصابها التفكك من جراء استقلالية البيت الواحد وتنوع أغراض القصيدة الطللية ما بين الوقوف على الأطلال أو البدء بالنسيب كمقدمة للقصيدة، يليها الغرض الرئيسي للقصيدة ومبتغاها، كالمدح أو الذم مثلاً. وهذا ما لا يمكن محاسبة الشاعر الجاهلي عليه بحسب نظرية "الوحدة العضوية" بمقاييسنا الحالية.
وقد وقع أحمد شوقي نفسه في مأزق هذا التفكك حينما قلَّد القدماء بقصيدة يمدح فيها خديوي مصر فقال:
خدعوها بقولهم حسناء والغواني يغرُّهن الثنـاء
ثم تابع مديحَه للخديوي. نقول هنا إن شوقي وقع في مأزق، لأن تقليد الشعر الجاهلي، بمحاكاة تشبيهاته واستعاراته وتعبيراته وأساليبه، يُعَد أسلوبًا مرفوضًا لدى النقاد، حيث يؤدي ذلك بالشاعر إلى أن يعيش ويتنفس برئات الآخرين وأنفاسهم، وليعيش في عصر ليس عصره. فإذا طبَّقنا معايير النقد الحديث على الشعر العربي الجاهلي نكون أجحفنا بحقِّ هذا الأدب، لأن النقد الحديث يدرس القصيدة من خلال "الوحدة السياقية" في القصيدة وكلِّيتها وتماسُكها وتكاملها، بينما تتنوع الأغراض في القصيدة الجاهلية، والشاعر ينقل ما يراه حوله، وليس ما نراه نحن. لذا فإن الناقد، حين يمارس نقده، عليه أن يعمد دومًا إلى استنطاق العناصر الفنية للنص في ضوء المناهج النقدية والعلوم المساعدة، من جهة، وفي ضوء ما يملكه من أدوات ذاتية وموضوعية تعيد إنتاج النص في شكل جيد، دون أن يهمل دلائله التوثيقية، من جهة أخرى.
وهنا يتنازع النص مفهومان: مفهوم القيمة التاريخية، ومفهوم النقد المنهجي المنفتح على دلائل كثيرة، لأن الشعر، في شكل خاص، يواكب التطورات التاريخية والفكرية. يقول ابن طباطبا العلوي:
اعلم أن العرب أودعت أشعارَها من الأوصاف والتشبيهات والحِكَم ما أحاطت به معرفتُها وأدركه عيانُها ومرَّتْ به تجاربُها [...].
وهنا نلمس في الشعر حِكَمًا ومعارف وتجارب وخبرات منفتحة على الحياة لعصر معيَّن يمكن لنا استخلاصها منه بدراسة نقدية جادة وهادفة. وقال أبو عمرو بن العلاء: "كان الشعر علم قوم، لم يكن لهم علم أصح منه." ولهذا كثيرًا ما اتخذ الجغرافيون والمؤرخون الشعرَ مصدرًا يستقون منه معلوماتهم. فهذا هو الجانب الذي يجب أن يُعتَد به، إلى حدٍّ ما، في الدراسة المنهجية التاريخية للأدب: أي أن نستدل من قراءة النصوص على شخصية مبدعيها وروح العصر ونفس الشعب، وليس العكس، على الرغم من المحاذير الكثيرة لهذه المقاربة: إذ علينا ألا نجعل التاريخ حَكَمًا على النص، بل أن نستنطق النصَّ ونستخلص منه ما يتعلق به من مفاهيم وإيحاءات تفيدنا في إعطاء معلومات قد تغْني معارفنا العلمية قليلاً أو كثيرًا وتفيد في دراسة وتصوير جوانب الحياة الإنسانية وبيئتها، كما واختلاجات قلب الشاعر وشاعريته، لأن النصوص هي مسارح أنفاس المبدع ودلائل معاناته.
على الرغم من هذا، فقد انتقصت الدراسات الحديثة من دور البيئة التي تدخل ضمن المنهج التاريخي في النقود الأوربية الحديثة. وقد أعلن بعضهم في الغرب مؤخرًا إفلاس المنهج التاريخي في الدراسات الأدبية بسبب المعايير التي سنأتي على ذكرها لاحقًا، حتى طالَبَ بعض النقاد العرب ودارسو الأدب بحرق جميع الكتب المدرسية العربية التي تتناول تاريخ الأدب العربي لأنها ترسم للآخرين صورًا مشوهة عن العرب في جزيرتهم العربية. وأعتقد أن هذا رأي مبالغ فيه كثيرًا!
وقد ذهب آخرون إلى القول برفض تاريخ الأدب لأنه يستعير مبادئه من التاريخ، ولأنه يسعى إلى أن يزوِّده بطرائق للبحث تتفق وصور العلم التي كانت سائدة لدى الأقدمين العاملين في حقل التاريخ، كما فعل الفرنسي فردينان برونوتيير (1849-1906)، خصم المدرسة الطبيعية اللدود، الذي ثار على إقحام النظريات العلمية في الأدب، فقال إن المواعظ الدينية هي التي تطورت فأنتجت المذهب الرومانسي. بالمثل، رفض التقيد بطرائق التاريخ؛ إذ يؤدي هذا التقيد إلى دراسة الأدب بموجب منهجيات قديمة ومستعارة لا تنطلق من جوهر المادة الأدبية ولا تؤدي إلى مقدمات ونتائج سليمة.
غير أن هناك محاذير في المنهج التاريخي قد تسيء إلى عملية دراسة معرفة الشاعر وروح العصر من الأدب والشعر. ففي الأدب العربي (في الشعر خاصة) نصادف على الدوام إشارات غنية، يتوزَّعها المعنى الغريب والطرفة الضاحكة والوصف المبتكر. غير أننا يجب ألا نغترَّ بهذه المنعكسات التي ترين على سيمائها بصماتُ قصور السلاطين والمتنفذين وروائح نواديهم وملاهيهم وندمائهم الأثيرين، في معزل عن الحياة الاجتماعية للسواد الأعظم من الناس. فإذا اقتصرنا على مثل هذه الإشارات في الأدب التاريخي نكون قد وقعنا في لعبة التعميم الخاطئ الذي يضيع من جرائه المسكوت عنه في لجَّة الكلمات المعبِّرة عن حياة السلاطين وندمائهم، دون أن نرى شيئًا من منعكسات الحالة الاجتماعية الأدنى مستوى، إلا في ما حواه الأدب العامِّي في الروايات والقصص. وهذه الازدواجية في الأدب تشكِّل ظاهرة غير صحية أمام مهمة الأدب التاريخية والاجتماعية.
في ضوء هذه الدراسة التاريخية، نشأ ما يُعرَف بـ"تاريخ الأدب العربي" الذي استحوذ على اهتمام عدد من الرواد من العهد الإسلامي، كأبي الفرج الأصفهاني مثلاً في كتابه الأغاني، الذي يروي فيه النصوص روايةً متسلسلة عن الرواة؛ ومثله أبو علي القالي في كتابه الأمالي والثعالبي في يتيمة الدهر. وفي العصر الحديث، تجلَّى المنهج التاريخي لدى حسين توفيق العدل في كتابه تاريخ الأدب، وفيه يعتقد الرجل أن التاريخ الأدبي للغة تابع للدين والسياسة في آنٍ واحد؛ ثم أحمد الإسكندري وكتابه الوسيط، وأحمد حسن الزيات وكتابه تاريخ الأدب. وبعد هؤلاء، كان هناك عدد من الأدباء، منهم جرجي زيدان الذي ألَّف العديد من الروايات التاريخية وكتابه الشهير تاريخ آداب اللغة، ثم طه حسين في ذكرى أبي العلاء وفي الأدب الجاهلي إلخ. إلا أن مقومات المنهج التاريخي لدى هؤلاء بقيت تدور في أُطُر ضيقة محصورة في بوتقة التاريخ وحده، ولم تستطع الإفلات منه لتخرج إلى ميادين البحث التي سيطرت على المناهج الغربية، كما هي الحال لدى غوستاف لانسون، بل بقيت تعتمد الانتقائية التي جرَّدتها من الروح العلمية التي كانت تسعى إليها التاريخيةُ في الأدب مؤخرًا. أولئك جميعًا ابتعدوا كثيرًا عن توجيه النصوص الوجهة الصحيحة. ففي حين اعتمد غوستاف لانسون على الاستقصاء التفصيلي في دراساته الأدبية (وهو ما تميزت به الدراسةُ التاريخية في الغرب) بالابتعاد عن إطلاق الأحكام النهائية والقاطعة، اعتمد الأدباء عندنا على مواقف انتقائية وعلى الجزم والقطع، فعمَّموا ذلك على عصر بكامله، كما فعل طه حسين، مثلاً، حينما انكب على دراسة شعر المجون في العصر العباسي، فجعل من ظاهرة المجون روح العصر بكامله! ومن تأكيداته القاطعة ننتقي العبارات التالية:
إن الترجمة من الهندية أوجدت الزهد، نظرًا لورود الكثير من الإشارات الدينية البراهمية لدى المتصوفة المسلمين.
اتساع نفوذ الفرس أوجد المجون، نظرًا لانتشار الحضارة لدى الفرس وميلهم نحو الترف والنساء.
عزلة الحجاز سياسيًّا أوجدت الغزل.
كثرة الجواري أوجدت الغناء، لأن الجواري كان بعضهن يتقن الغناء في موطنهن، كما تعلَّم بعضهن الغناء للترفيه عن الخلفاء وأسيادهن.
وهي كلُّها أحكام قاطعة في حاجة إلى استقصاءات وبحوث تاريخية مستفيضة. ومن سيئات القراءة المنهجية للتاريخية في الأدب أيضًا أنها قد لا تلتفت إلى "الذات" التي أنتجت النص، بل إلى ما قيل فيه النص، لأن الشاعر أو الأديب قد لا يكون لهما وجود إلا من خلال السلطان؛ ولذلك تتغاضى عن عملية الإبداع نوعًا ما. وهناك عائق آخر أمام تلك الدراسات التاريخية، بسببه ربما أعلن النقد الحديث أن المنهج التاريخي للأدب قد مُنِيَ بالإفلاس، وهو إهماله الحاسم للمكان في النص. وفي هذا الصدد كثيرًا ما أعلن أبو نواس عن تبرُّمه من استمرار الشعراء في الوقوف على الأطلال حتى في العهد الإسلامي (وقد رأينا كيف وقع شوقي في هذا المطب أيضًا!)، حيث كان الشعراء يقفون أمام أبنية متهدمة بدلاً من الأطلال، ويصوِّرون الخرائب تصويرًا في غاية الروعة والجمال. وبذلك علا صوت النقاد بالاحتجاج على ما يحصل للأدب هنا، بالإضافة إلى أن التاريخ تحول، في هذه الحال، من وصف الأشياء إلى الحُكم عليها.
كما تملَّقت التاريخيةُ السياسةَ وجعلت الأدب تابعًا للسياسة تبعية مبالغًا فيها، بعكس الحقيقة التي تقول بأن الأدب هو مفجِّر الثورات والممهد لها، كما هي الحال مع أدباء فرنسا الذين عجَّلوا بكتاباتهم في قيام الثورة الفرنسية (1789). وبذلك كانت متابعة الأدب للسياسة تشكِّل هاجسًا لدى النقاد ودارسي الأدب، الذين سيقرون سلفًا ببعض الآراء؛ بل إن نصوصها زودتْهم بآراء قد لا يحسون بتسلُّلها إليهم وسلطانها عليهم.
وكمثال على ترابُط الماضي بالحاضر وفوائد النصوص التراثية والتاريخية واستخلاص النتائج منها، سأورد – على سبيل المثال – نموذجين اثنين من التراث العربي: الأول هو قول النابغة في الملدوغ الذي كانت العرب تسميه سليمًا:
ويسهد من ليل التمام سليمها لحليِّ النسـاء في يديه قعاقع
لاحظوا هنا ما نستخلصه من خلال القراءة التاريخية المختصرة من هذا البيت ومغزاه التاريخي: البيت يشير في وضوح إلى عادة عربية قديمة تتمثل في معالجة الملدوغ الذي كانوا يضعون في يديه ورجليه الأساور والحلي والأجراس لئلا ينام، لأنهم أدركوا أن السمَّ أسرع انتشارًا في الجسم في حال النوم منه في حال اليقظة (وهذا ما أثبته العلم الحديث اليوم). صحيح أننا لم نذكر الصور الفنية أو الموسيقى والإيقاع في هذه العجالة، فاكتفينا بإبراز العادة العربية الجاهلية، لكننا استطعنا أن نستخلص هنا، من خلال معرفتنا بالتاريخ والتراث العربيين، معنى كلمة "سليمها"؛ أي استدللنا من البيئة (كأحد عناصر المنهج التاريخي) على مغزى الكلمة ومعناها، وتجاهَلنا الشاعر، قائل هذا البيت وصاحبه. فلو وضعنا هذا البيت أمام ناقد يجهل تراث المنطقة وبيئتها لاحتار في دراسته ومعناه ولما توصل في هذه الحالة إلى نتيجة مرضية، مهما طبَّق عليه من مناهج بنيوية أو تأويلية أو تفكيكية حديثة؛ إذ سيكتفي منها إذ ذاك بالعموميات. وفي مثل هذه الحالات – وليس في الحالات كلِّها – قد يفيدنا المنهج التاريخي، بهذا الشكل أو ذاك – لكن مع الحذر الشديد لئلا يأخذنا المنهج إلى أحد مطبَّات التاريخ!
مثال آخر يكشف عن عادة عربية قديمة قد يفيد أيضًا في توضيح المنهج التاريخي، وهو قول الربيع بن زياد حينما قُتل أخوه مالك في إحدى غزوات القبائل المستمرة آنذاك:
قد كنَّ يخبِّئن الوجـوهَ تستُّرًا فالآن حيـن برزن للنـظَّـار
يضـربن وجوههنَّ على فتى عفِّ الشَّـمائل طيِّب الأخبـار
وفي هذا نلاحظ أيضًا إشارة إلى عادة تاريخية لدى العرب، وهي أنهم كانوا يمسكون عن ندب قتيلهم حتى يأخذوا بثأره، وعندما يثأرون له، يسمحون للنادبات بالندب وللباكيات بالبكاء على القتيل وتعداد مناقبه وفضائله. وهذا هو مضمون البيتين تحديدًا. وهكذا فقد علمنا معنى البيتين المعجمي في سهولة؛ لكن السؤال الأهم هو: لماذا كانت النسوة "يخبِّئن الوجوه تسترًا" ثم "يبرزنها للنظار الآن"؟ لا شك أنه لا يمكن لنا معرفة السبب من البيتين وحدهما مطلقًا، فلجأنا إلى التاريخ والتراث معًا لتوضيح هذا السبب. هذا الأمر كان يثني النقاد العرب القدماء عن البحث كثيرًا عن الصور الفنية وجماليات التلقِّي في قصائد شعرائهم، بخلاف المناهج الحديثة التي كانت غائبة عنهم.
علينا أن ندرك أن الأدب – وفي شكل نسبي، وأشدد هنا على كلمة "نسبي" – يمثل تاريخ أهله وخطابهم الفكري والاجتماعي والفني وحاجاتهم المتنوعة الأخرى في كلِّ مرحلة من مراحل تطورهم. أي أن الشعر والأدب يحويان سمةً جماليةً ودلاليةً تاريخيةً في آنٍ واحد. وهنا أرى أن أفضل النقود لدراسة مثل هذه النصوص هو استخدام منهج النقد التكاملي الذي يجمع بين مناهج نقدية مختلفة في دراسة خلال نصٍّ واحد، حتى نأتي على جميع جوانب النص وما تحمله من قيم إبداعية وفنية وجمالية وبيئية وتاريخية.
*** *** ***
المصادر والمراجع
- إسماعيل، عز الدين، الشعر العربي المعاصر: قضاياه وظواهره الفنية.
- بلوحي، محمد، آليات الخطاب النقدي.
- دراسات في الأدب العربي.
- السيوطي، المزهر في علوم اللغة.
- علامات (مجلة) في النقد، 54، المجلد 14.
- مندور، محمد، النقد والنقاد المعاصرون.
- الوائلي، كريم، تدفق الينبوع.
- الوائلي، كريم، في الشعر الجاهلي. [/align][/size]
اللهم أرحم والدي وأجعل قبره روضا من رياض الجنة
Please تسجيل الدخول or إنشاء حساب.. to join the conversation.
- تجويد
-
Topic Author
- Offline
- مشرف سابق
-
قبل 16 سنوات 4 شهور #1017
by تجويد
اللهم أرحم والدي وأجعل قبره روضا من رياض الجنة
Replied by تجويد on topic Re: مناهج النقد الادبي السياقية
[size=200:2bg7eb66][align=center]المنهج الاجتماعي في دراسة الأدب
حسين علي الهنداوي
يستمد الأدب جانبه الاجتماعي من كونه مؤسسة اجتماعية أداته اللغة التي هي نفسها من خلق المجتمع (1) .
فالأدب ينبثق من المجتمع ويكتب له ذلك أنه يمثل الحياة تمثيلاً حقيقياً والحياة هي الحقيقية الاجتماعية التي يمكن لنا أستيارها من خلال الفكر و الأدب .
لقد كان الأدب العربي شعراً ونثرا يمثل الحياة الاجتماعية العربية أصدق تمثيل في جميع جوانبها فقد رسم لنا الأدب الجاهلي العادات والصور الاجتماعية بشكل واضح حتى أنه يمكن القول إننا لم نتعرف على صور المجتمع العربي الجاهلي إلا من شعره والمتصفح لدواوين الشعراء الجاهليين يجد قيماً وأنماطاً من السلوك تتحدث عن الشجاعة والبطولة والكرم ونصرة المظلوم وحماية المرآة والثأر والانتقام وغيرها . مما جعلهم يقولون بحق (الشعر ديوان العرب ) وهذا ينقض ما زعمه الدكتور طه حسين في كتابه ( في الشعر الجاهلي ) من أن الشعر الجاهلي لا يمثل الحياة الجاهلية . وكذلك كان الأدب الإسلامي والعباسي وأدب عصر الدول المتتابعة مع تطور في الموضوعات والأغراض والمضامين . لقد كان الشاعر العربي بصفته عضواً في مجتمعه منغمساً في وضعه الاجتماعي ويتلقى فيه نوعاً من الاعتراف ، لأنه يخاطب جمهور القبيلة .وفي المجتمع البدائي لا يمكن فصل الشعر عن اللهو والسحر والشعائر .
لقد كان للشعر الجاهلي كما يقول الدكتور عبد المجيد رزاقط (( بعض نشاط الإنسان الجاهلي في مواجهة الحياة ، فهو مرتبط بالدين والعمل والعلاقة بالآخر والمحيط ، ولعل ارتباطه بالدين والعمل هو الذي جعله نوعاً من الفناء فهو إنشاد وحداء وليس نظماً أو قولاً )) .
ويضيف الدكتور عبد المجيد قائلاً : (( لقد كان السائد لدى الشعراء الجاهليين أن الشعر يصدر عن وحي أو عن إلهام شياطين تسكن وادي عبقر ومما قيل في هذا الصدد قول أحدهم :
وقافية عجت بليل روية تلقيت من جو السماء نزولها
وقول الآخر :
ولي صاحب من بني الشيصبان فطوراً أقول وطوراً هوه
ومن ذلك ما يقول امرؤ القيس :
تخبرني الجن أشعارها فما شئت من شعرهن اصطفيت
أما عبد الله بن رواحة فقد كان يرى في الشعر أنه شيء يختلح في صدره فينطق به لسانه.
هذه النظرة إلى مصدر الإلهام الشعري – ايحاءات شياطين رغم سذاجتها تدل على مفاهيم اجتماعية زرعها المجتمع في فكر الشاعر فهي من صنع المجتمع وتعبر عن خليقته الثقافية القائمة على التفسيرات الغيبية الخيالية المسطحة ، إن الماركسيين رغم اعتمادهم على المحسوس والواقع في نظراتهم الفكرية إلا أنهم لا يدرسون الأدب وصلاته في المجتمع من خلال الواقع وما يفرزه من الراهن وفي مجتمع المستقبل الخالي من الطبقات كما يتخيلونه ونقدم للأدب نقد تقويمي تقييمي قائم على معايير غير أدبية بل معاييرهم إيديولوجية خلقية وهم بذلك لا يتصلون بالمجتمع المعاصر لهم بل بالمجتمع القائم في أفكارهم سواء تحقق أم لم يتحقق واقعياً .
إن الأعمال الأدبية تمدنا بالوثائق الاجتماعية والأديب في هذه الأعمال ينقل لنا الحقيقة ضمن إطارها التاريخي الاجتماعي يقول دي بونالد (( الأدب تعبير عن المجتمع )) فهو يعكس الحياة بجميع صورها ويعبر عنها من جميع جوانبها والأصول الاجتماعية للأديب تمارس دوراً رئيسياً في المسائل التي يثيرها سواء أكان في مركزه الاجتماعي /كخادم للبلاط / أو في فراغه الاجتماعي حين يكون ممثلاً لصورة المجتمع التي ترتسم في أعماقه من خلال ممارساته وعلاقاته البسيطة والمعقدة . إن ولاء الأديب وعقيدته تمثلان المجتمع بأشكاله .سواء أكان ولاؤه حقيقياً ودفاعاً عن قضايا اجتماعية أو كان صورياً مدافعاً قيه عن البلاط دافناً لنظرته الحقيقية للوجه الآخر للمجتمع .
إن جميع الأدباء على الإطلاق يستمدون تجاربهم من المجتمع متأثرين به وفي الوقت نفسه يفرغون هذه التجارب في المجتمع ويؤثرون فيه لأنهم يعيدون صنع هذه الصورة الاجتماعية بالشكل والوجه الذي يرغبون .
ويعتقد / توماس وارثون / أول مؤرخ حقيقي للشعر الإنجليزي (( أن الأدب فضيلة تخصه وهي التسجيل المخلص لسمات العصر والحفاظ على أفضل تمثيل للأخلاق و أفضل تعبير عنها )) لقد كان الأدب العربي رصيداً حقيقياً للحياة الاجتماعية العربية بكل أبعادها و أشكالها .
إِن الأدب كما يقول محمود أمين . العالم ليس ألا موقفاً أجماعياً يحمل في طياته مضموناً ما ويعتبر العالم (( أن الثورة في الأدب هي تنمية الرؤية الموضوعية للواقع الإنساني وتوكيد لقيم الحرية والمساواة وإعلان إنسانية الإنسان وتنمية طاقاته المبدعة للمشاركة في تغيير الحياة وتجديدها )) إننا كما يقول عباس السعدي (( نفهم إجتماعية مضمون الأدب انطلاقاً من اقتناعنا باجتماعية الأديب )) . (( إن الأدب إبداع ذاتي فردي ، ولكن ذاتيته لا تنفي اجتماعيته )) .
ولطالما وقع البرجوازيين في مغالطة حين دعوا إلى / لا اجتماعية / للأدب زاعمين أن ذلك يلغي فردية الأديب مع أن الأدب البرجوازي هو أدب اجتماعي بمعنى من المعاني لأنه يكرس سيطرة طبقة على حساب طبقات أخرى .
إن صراع السلبي مع الإيجابي في الأدب هو صراع اجتماعي بين المرفوض والمقبول وهو مضمون اجتماعي يسعى الأديب إلى إبرازه وهذا لا يعني وضع الأدب ضمن خطوط مسيسة تلزم الخطوط الواضحة لصراع الحياة فالأدب لا يؤدي دوره الاجتماعي إلا حين يعكس بصدق الحياة في صلاتها وعلاقاتها الجوهرية ذلك أن الالتزام نفسه في الأدب ينبثق من الرؤية الاجتماعية والتاريخية .
إن أية نظرة متفحصة للأدب بجميع أشكاله وقوالبه تعزز انتمائية هذا الأدب للمجتمع الذي عاش فيه بحيث لا تخرج هذه النظرة الأدبية عن القضايا التي عاشها الأديب وتأثر بها ، وإن فهم الأديب المتعمق للحياة هو نوع من الادراك الحقيقي لقوانين الحياة والمجتمع.
إن واقعية الأدب وإجتماعيته تأتي من خلال انخراط الشاعر أو الكاتب في قضايا أمته الاجتماعية ولو أدى به ذلك إلى الصدام مع المفاهيم الاجتماعية فالأدب كما يقول نزار قباني : (( عملية صدامية .... عملية استشهاد على الورق والشعر هو الناس هو الشارع)) ثم يضيف قائلاً : (( القصيدة ليست مجرد عملية تطريب أو تخدير يسمعها الإنسان العربي في أمسيته ثم يعود إلى حالته الأولى .... ووظيفة الشعر أن يحرض الإنسان على نفسه ولا شعر حقيقي دون تحريض (2) )) .
(( لقد كانت المرآة كطرف اجتماعي عند نزار كما يقول (( المرآة أرض خصبة ووسيلة من وسائل التطوير والتحرير وأنا أربط قضيتها بقضية التحرير الاجتماعي للرجل والمرآة على السواء (4) )) .
بينما يرى أدونيس أن (( مدى حركة الشاعر العربي محدوداً جداً . محدود بالسطح الاجتماعي وبالسطح السياسي )) لأنه يعتقد أن (( الشعر نقيض للواقع المؤسس المجمد المباشر المبتذل المكرر الذي لا يساعد في الكشف عن حقيقة العالم أو عن أسرار الحياة الإنسانية (5) )) .
والناظر إلى صفحات المجلات والجرائد كما يقول إدونيس (( يرى في معظمها دماء المثقفين تسيل من كل جهة أي أنك لن تجد فيها سوى الاهاجي والشتائم والنقد الجارح والتشويه بمختلف أنواعه )) . وهذا يعني أن الأدباء والمثقفين بعيدون كل البعد عن المفرزات الاجتماعية العربية التي هي لب القضية الأدبية التي تستمد منها المعاناة والتجربة. إن أي أدب لا ينتمي إلى معطيات مجتمعه محكوم عليه بالفشل سلفاً لأن مادة الأديب هي المجتمع منه يغرف وفيه يصب وحتى عند من ينظرون إلى الأدب نظرة حداثية نجد كما يقول الدكتور غالي شكري أن (( النخبة تختار جزيرة مهجورة حتى تتجنب شر القتال )) .
وأي أدب يتجنب شر الصدام والقتال الاجتماعي ليس إلا أطرأ وهمية بل هو هذر كلام لا طائل تحته لأن الأدب روحه المجتمع . وما تزال الفجوة كبيرة وخطيرة بين الحداثيات العربية والقاعدة العريضة من القراء الذين لم يعودوا يجدون المضامين الاجتماعية التي تتحدث عن قضاياهم العامة والخاصة (7) )) .
إن الحداثة الحقيقية كما يراها غالي شكري (( ثورة في المجتمع والفكر والفن )). وليس المبدع فيها إلا : (( إنساناً ثورياً لأنه يدرك أن الحداثة تجربة ورؤيا متناقصان مع الذوق السائد والوجدان السائد والعقلية السائدة ويدرك أن الفكر ينفصل عن الجمال (
)) .
إن مقولة منتغمري بلجيون : (( الكاتب داعية غير مسؤول (9) )) . غير صحيحة لأنه حقيقة داعية مسؤول عما يقوله فهو يستمد من المجتمع حيث يقوم برفض أو تصويب أو تجديد قضايا تعيش واقع الإنسان فتبني الكاتب لرأي ما أو نظرية ما إنما يكون من خلال قناعات قائمة على أسس عميقة يفهمها هذا الكاتب حق فهمها ويوضحها لقرائه من خلال شفافية أدبية واعية ولا يحكم على مسؤولية الكاتب كما يقول أليوت إلا من ((خلال النية المعلنة والتأثير التاريخي لهذه النية المعلنة (10) )) .
إن الأدب كما يقول مندو (( ضرورة حياتية تشبع في حياة الناس حاجات ملحة لا تقل خطورة عن الحاجات المادية (11) )) . ولذا كان من واجبات الأديب أن يساهم في تنظيم الإنتاج العام وتنمية وتحقيق العدالة )) .
لقد احتدم الصراع بين فردية الأدب واجتماعيته عند البعض وبين وظيفته الجمالية والحياتية ، وهل الأدب هروب وحياد أم هل هو رأي والتزام تجاه القضايا الاجتماعية ؟ لقد قاد هذا الصراع أصحاب الشعر الغنائي للنظر إلى الفن على أنه المعبر عن النفس البشرية وما حديث الأديب عن العالم الخارجي والطبيعة إلا لأنه ينعكس ويتلون بألوان ومع أما نسلم أن أحد جوانب الأدب التعبير عن النفس البشرية فإننا نرى أن هذه النفس نفسها تحفل بالموضوعات الاجتماعية .[/align][/size]
حسين علي الهنداوي
يستمد الأدب جانبه الاجتماعي من كونه مؤسسة اجتماعية أداته اللغة التي هي نفسها من خلق المجتمع (1) .
فالأدب ينبثق من المجتمع ويكتب له ذلك أنه يمثل الحياة تمثيلاً حقيقياً والحياة هي الحقيقية الاجتماعية التي يمكن لنا أستيارها من خلال الفكر و الأدب .
لقد كان الأدب العربي شعراً ونثرا يمثل الحياة الاجتماعية العربية أصدق تمثيل في جميع جوانبها فقد رسم لنا الأدب الجاهلي العادات والصور الاجتماعية بشكل واضح حتى أنه يمكن القول إننا لم نتعرف على صور المجتمع العربي الجاهلي إلا من شعره والمتصفح لدواوين الشعراء الجاهليين يجد قيماً وأنماطاً من السلوك تتحدث عن الشجاعة والبطولة والكرم ونصرة المظلوم وحماية المرآة والثأر والانتقام وغيرها . مما جعلهم يقولون بحق (الشعر ديوان العرب ) وهذا ينقض ما زعمه الدكتور طه حسين في كتابه ( في الشعر الجاهلي ) من أن الشعر الجاهلي لا يمثل الحياة الجاهلية . وكذلك كان الأدب الإسلامي والعباسي وأدب عصر الدول المتتابعة مع تطور في الموضوعات والأغراض والمضامين . لقد كان الشاعر العربي بصفته عضواً في مجتمعه منغمساً في وضعه الاجتماعي ويتلقى فيه نوعاً من الاعتراف ، لأنه يخاطب جمهور القبيلة .وفي المجتمع البدائي لا يمكن فصل الشعر عن اللهو والسحر والشعائر .
لقد كان للشعر الجاهلي كما يقول الدكتور عبد المجيد رزاقط (( بعض نشاط الإنسان الجاهلي في مواجهة الحياة ، فهو مرتبط بالدين والعمل والعلاقة بالآخر والمحيط ، ولعل ارتباطه بالدين والعمل هو الذي جعله نوعاً من الفناء فهو إنشاد وحداء وليس نظماً أو قولاً )) .
ويضيف الدكتور عبد المجيد قائلاً : (( لقد كان السائد لدى الشعراء الجاهليين أن الشعر يصدر عن وحي أو عن إلهام شياطين تسكن وادي عبقر ومما قيل في هذا الصدد قول أحدهم :
وقافية عجت بليل روية تلقيت من جو السماء نزولها
وقول الآخر :
ولي صاحب من بني الشيصبان فطوراً أقول وطوراً هوه
ومن ذلك ما يقول امرؤ القيس :
تخبرني الجن أشعارها فما شئت من شعرهن اصطفيت
أما عبد الله بن رواحة فقد كان يرى في الشعر أنه شيء يختلح في صدره فينطق به لسانه.
هذه النظرة إلى مصدر الإلهام الشعري – ايحاءات شياطين رغم سذاجتها تدل على مفاهيم اجتماعية زرعها المجتمع في فكر الشاعر فهي من صنع المجتمع وتعبر عن خليقته الثقافية القائمة على التفسيرات الغيبية الخيالية المسطحة ، إن الماركسيين رغم اعتمادهم على المحسوس والواقع في نظراتهم الفكرية إلا أنهم لا يدرسون الأدب وصلاته في المجتمع من خلال الواقع وما يفرزه من الراهن وفي مجتمع المستقبل الخالي من الطبقات كما يتخيلونه ونقدم للأدب نقد تقويمي تقييمي قائم على معايير غير أدبية بل معاييرهم إيديولوجية خلقية وهم بذلك لا يتصلون بالمجتمع المعاصر لهم بل بالمجتمع القائم في أفكارهم سواء تحقق أم لم يتحقق واقعياً .
إن الأعمال الأدبية تمدنا بالوثائق الاجتماعية والأديب في هذه الأعمال ينقل لنا الحقيقة ضمن إطارها التاريخي الاجتماعي يقول دي بونالد (( الأدب تعبير عن المجتمع )) فهو يعكس الحياة بجميع صورها ويعبر عنها من جميع جوانبها والأصول الاجتماعية للأديب تمارس دوراً رئيسياً في المسائل التي يثيرها سواء أكان في مركزه الاجتماعي /كخادم للبلاط / أو في فراغه الاجتماعي حين يكون ممثلاً لصورة المجتمع التي ترتسم في أعماقه من خلال ممارساته وعلاقاته البسيطة والمعقدة . إن ولاء الأديب وعقيدته تمثلان المجتمع بأشكاله .سواء أكان ولاؤه حقيقياً ودفاعاً عن قضايا اجتماعية أو كان صورياً مدافعاً قيه عن البلاط دافناً لنظرته الحقيقية للوجه الآخر للمجتمع .
إن جميع الأدباء على الإطلاق يستمدون تجاربهم من المجتمع متأثرين به وفي الوقت نفسه يفرغون هذه التجارب في المجتمع ويؤثرون فيه لأنهم يعيدون صنع هذه الصورة الاجتماعية بالشكل والوجه الذي يرغبون .
ويعتقد / توماس وارثون / أول مؤرخ حقيقي للشعر الإنجليزي (( أن الأدب فضيلة تخصه وهي التسجيل المخلص لسمات العصر والحفاظ على أفضل تمثيل للأخلاق و أفضل تعبير عنها )) لقد كان الأدب العربي رصيداً حقيقياً للحياة الاجتماعية العربية بكل أبعادها و أشكالها .
إِن الأدب كما يقول محمود أمين . العالم ليس ألا موقفاً أجماعياً يحمل في طياته مضموناً ما ويعتبر العالم (( أن الثورة في الأدب هي تنمية الرؤية الموضوعية للواقع الإنساني وتوكيد لقيم الحرية والمساواة وإعلان إنسانية الإنسان وتنمية طاقاته المبدعة للمشاركة في تغيير الحياة وتجديدها )) إننا كما يقول عباس السعدي (( نفهم إجتماعية مضمون الأدب انطلاقاً من اقتناعنا باجتماعية الأديب )) . (( إن الأدب إبداع ذاتي فردي ، ولكن ذاتيته لا تنفي اجتماعيته )) .
ولطالما وقع البرجوازيين في مغالطة حين دعوا إلى / لا اجتماعية / للأدب زاعمين أن ذلك يلغي فردية الأديب مع أن الأدب البرجوازي هو أدب اجتماعي بمعنى من المعاني لأنه يكرس سيطرة طبقة على حساب طبقات أخرى .
إن صراع السلبي مع الإيجابي في الأدب هو صراع اجتماعي بين المرفوض والمقبول وهو مضمون اجتماعي يسعى الأديب إلى إبرازه وهذا لا يعني وضع الأدب ضمن خطوط مسيسة تلزم الخطوط الواضحة لصراع الحياة فالأدب لا يؤدي دوره الاجتماعي إلا حين يعكس بصدق الحياة في صلاتها وعلاقاتها الجوهرية ذلك أن الالتزام نفسه في الأدب ينبثق من الرؤية الاجتماعية والتاريخية .
إن أية نظرة متفحصة للأدب بجميع أشكاله وقوالبه تعزز انتمائية هذا الأدب للمجتمع الذي عاش فيه بحيث لا تخرج هذه النظرة الأدبية عن القضايا التي عاشها الأديب وتأثر بها ، وإن فهم الأديب المتعمق للحياة هو نوع من الادراك الحقيقي لقوانين الحياة والمجتمع.
إن واقعية الأدب وإجتماعيته تأتي من خلال انخراط الشاعر أو الكاتب في قضايا أمته الاجتماعية ولو أدى به ذلك إلى الصدام مع المفاهيم الاجتماعية فالأدب كما يقول نزار قباني : (( عملية صدامية .... عملية استشهاد على الورق والشعر هو الناس هو الشارع)) ثم يضيف قائلاً : (( القصيدة ليست مجرد عملية تطريب أو تخدير يسمعها الإنسان العربي في أمسيته ثم يعود إلى حالته الأولى .... ووظيفة الشعر أن يحرض الإنسان على نفسه ولا شعر حقيقي دون تحريض (2) )) .
(( لقد كانت المرآة كطرف اجتماعي عند نزار كما يقول (( المرآة أرض خصبة ووسيلة من وسائل التطوير والتحرير وأنا أربط قضيتها بقضية التحرير الاجتماعي للرجل والمرآة على السواء (4) )) .
بينما يرى أدونيس أن (( مدى حركة الشاعر العربي محدوداً جداً . محدود بالسطح الاجتماعي وبالسطح السياسي )) لأنه يعتقد أن (( الشعر نقيض للواقع المؤسس المجمد المباشر المبتذل المكرر الذي لا يساعد في الكشف عن حقيقة العالم أو عن أسرار الحياة الإنسانية (5) )) .
والناظر إلى صفحات المجلات والجرائد كما يقول إدونيس (( يرى في معظمها دماء المثقفين تسيل من كل جهة أي أنك لن تجد فيها سوى الاهاجي والشتائم والنقد الجارح والتشويه بمختلف أنواعه )) . وهذا يعني أن الأدباء والمثقفين بعيدون كل البعد عن المفرزات الاجتماعية العربية التي هي لب القضية الأدبية التي تستمد منها المعاناة والتجربة. إن أي أدب لا ينتمي إلى معطيات مجتمعه محكوم عليه بالفشل سلفاً لأن مادة الأديب هي المجتمع منه يغرف وفيه يصب وحتى عند من ينظرون إلى الأدب نظرة حداثية نجد كما يقول الدكتور غالي شكري أن (( النخبة تختار جزيرة مهجورة حتى تتجنب شر القتال )) .
وأي أدب يتجنب شر الصدام والقتال الاجتماعي ليس إلا أطرأ وهمية بل هو هذر كلام لا طائل تحته لأن الأدب روحه المجتمع . وما تزال الفجوة كبيرة وخطيرة بين الحداثيات العربية والقاعدة العريضة من القراء الذين لم يعودوا يجدون المضامين الاجتماعية التي تتحدث عن قضاياهم العامة والخاصة (7) )) .
إن الحداثة الحقيقية كما يراها غالي شكري (( ثورة في المجتمع والفكر والفن )). وليس المبدع فيها إلا : (( إنساناً ثورياً لأنه يدرك أن الحداثة تجربة ورؤيا متناقصان مع الذوق السائد والوجدان السائد والعقلية السائدة ويدرك أن الفكر ينفصل عن الجمال (
إن مقولة منتغمري بلجيون : (( الكاتب داعية غير مسؤول (9) )) . غير صحيحة لأنه حقيقة داعية مسؤول عما يقوله فهو يستمد من المجتمع حيث يقوم برفض أو تصويب أو تجديد قضايا تعيش واقع الإنسان فتبني الكاتب لرأي ما أو نظرية ما إنما يكون من خلال قناعات قائمة على أسس عميقة يفهمها هذا الكاتب حق فهمها ويوضحها لقرائه من خلال شفافية أدبية واعية ولا يحكم على مسؤولية الكاتب كما يقول أليوت إلا من ((خلال النية المعلنة والتأثير التاريخي لهذه النية المعلنة (10) )) .
إن الأدب كما يقول مندو (( ضرورة حياتية تشبع في حياة الناس حاجات ملحة لا تقل خطورة عن الحاجات المادية (11) )) . ولذا كان من واجبات الأديب أن يساهم في تنظيم الإنتاج العام وتنمية وتحقيق العدالة )) .
لقد احتدم الصراع بين فردية الأدب واجتماعيته عند البعض وبين وظيفته الجمالية والحياتية ، وهل الأدب هروب وحياد أم هل هو رأي والتزام تجاه القضايا الاجتماعية ؟ لقد قاد هذا الصراع أصحاب الشعر الغنائي للنظر إلى الفن على أنه المعبر عن النفس البشرية وما حديث الأديب عن العالم الخارجي والطبيعة إلا لأنه ينعكس ويتلون بألوان ومع أما نسلم أن أحد جوانب الأدب التعبير عن النفس البشرية فإننا نرى أن هذه النفس نفسها تحفل بالموضوعات الاجتماعية .[/align][/size]
اللهم أرحم والدي وأجعل قبره روضا من رياض الجنة
Please تسجيل الدخول or إنشاء حساب.. to join the conversation.
- تجويد
-
Topic Author
- Offline
- مشرف سابق
-
قبل 16 سنوات 4 شهور #1019
by تجويد
اللهم أرحم والدي وأجعل قبره روضا من رياض الجنة
Replied by تجويد on topic Re: مناهج النقد الادبي السياقية
[align=center][size=200:210grtsu]المنهج النفسي في دراسة الأدب
(( سيكولوجيا الأدب ))
حسين علي الهنداوي
سورياــ درعا
تعد العلاقة شديدة الاتصال بين الأدب وعلم النفس . وحسب الأدب أن يكون واضعه ومتلقيه ومحرره إنساناً حتى يغري دارسه بدراسته.
ويقدم علم النفس المفاتيح السحرية لدراس الأدب تجربة وإبداعاً وتحليلاً ولقد استخدم المنهج النفسي في دراسة الأدب منذ القديم ومع أنه بقي غير كاف في توضيح جميع جوانب الأدب إلا أنه يبقى مفيداً في الكشف عن غوامض وخبايا العمل وصاحبه .
يقول الدكتور محمد مندور في كتابه (( في الأدب والنقد ))ص 188 :
((أما علاقة الأدب بالفرد فتدور حول الحاجات الإنسانية التي يمكن أن يشبعها كفن جميل وكأداة للتعبير عند الفرد . وأهم مبحث هو تحليل حاسة الجمال عند البشر والبحث عن أصولها وأهدافها المختلفة والتمييز بين مفارقاتها فهناك الشيء الجميل أو اللطيف أو الجليل ومن حيث أن الأدب تعبير جمالي نفسي فعلى علم الجمال الأدبي أن يقف عند (( نظرية انتقال المشاعر )) كأن يحب الشاعر مثلاً كلب معشوقته من أجلها)). والشعراء العرب كثيراً ما كانوا يحبون ديار محبوباتهم لأنها تمثل هذه المحبوبة.
وما حبّ الديار شغفن قلبي ولكن حبّ من سكن الديارا
وما وصف الأطلال عند شعراء الجاهلية إلاّ بشخصيات نوعاً من هذه النظرة (( انتقال المشاعر )) وإذا كان من اللزام على الدارس أن ينبش الكنوز المختبئة في بواطن الأدب فإن من المفيد له أن يمعن النظر في عملية الإبداع وفي المبدع نفسه والقوانين النفسية المتحكّمة بشخصيات العمل الأدبي وبالأدب نفسه وسنفصّل القول في هذه القضايا.ففي دراسة عملية الإبداع وآليتها يمكن لنا أن نشير إلى نظرية الإلهام عند أفلاطون الذي يعتبر أن المقدرة الإبداعية عند الأديب هي (( الحماسة أو الحب )) –إيروس –ويرى أن مصدر هذا الإلهام هو الوحي الإلهي حيث تدفع (( ربات الشعر )) موضوعات الشاعر له وعلى هذا فإنه يمكن للآلهة أن تنزع العقل عن الشعراء وتستخدمهم كهاناً أو سحرة ملهمين .
وتقوم عمليّة الإلهام عنده على تذكرّ الإنسان لما رآه من صور وماهيّات في عالم المثل الذي كانت تحيا فيه النفس ومن ثمّ تقليد هذه الصور في عالم المحسوسات مما يجعل الشاعر يحسّ بالجزع والحزن الذي يعقبه شعور بالحماسة يدفع الشعر على شكل أغانٍ.وأكثر الشعراء مدانون بأشعارهم الجميلة للحماسة ولنوع من الغييبوبة لا للفن وهم يشبهون على حد قول أفلاطون كهّان الآلهة (( سيبلي )) الذين لا يرقصون إِلا إِذا خرجوا عن شعورهم وهذه الحالة تشبه حالة الوجد والشوق عند بعض فرق الصوفية في بلادنا والتي ترقص إِذا هي أتحدث بالغيب وتجاوزت الوجود وقد اتبع أصحاب المذهب الرومانسي طريق أفلاطون وترسّم خطاه وصبغوه بلون من التصّوف فعند ((فكتورهيغو)) الشاعر ساحر يسمع ويردّد ما يتلقاه من عالم الغيب بينما يرى ((شيلي)) أن الشاعر ينقل للناس رسالة من عند الله .
لقد كانت نظرة الرومانسيين الأوروبيين للإِلهام تلتقي مع نظرتهم للطبيعة فكلامها هبة من الله .
ويعتبر الإمام أبو حامد الغزالي أن الإلهام كالضوء من سراج الغيب يقع على قلب صافٍ لطيفٍ فارغ .
بينما يرى محي الدين بن عربي أن الإلهَام ظاهرة ممكنة الحدوث لأيّ إنسان بشروطٍ هي :
- إيمان هذا الإنسان بقدرة القوة الخارقة /الله / .
- كون الإنسان صافي الذهن .
- استعداده لإدراك لطائف المعرفة .
ولكنه أي (( ابن عربيّ )) كأفلاطون يرى أن الإلهام فيض يتلقاه الإنسان من خارج الذّات .
ويعد ابن سينا الإلهام حدساً أو إِشراقاً يتحصل في النفس فتدرك الموجودات والمعقولات بما تستفيد ه من العقل الفعال وقد يكون الإلهام رؤيا بينما يكون الحدس متفاوتاً بين الناس ولا يمكن التوصل للعقل الفعال إِلا بالاتصال بالله و ملائكته وقد أعتبر ابن سينا الإلهام طريقة لتحصيل المعرفة من العقل الفعّال وترى الاتجاهات الحديثة وعلى رأسها ((ووردزوورث )) أن الشعر تعبير عن انفعال مستعاد بهدوء تظهر فيه غريزة إِظهار النفس ((حبّ الظهور )) وهذه الغريزة الاجتماعية ناجمة عن الرغبة في التعاطف ،والتلذذ بإِنشاء شيء جديد الشاعر كالطفل ينشئ لينفّسَ عن وجدانه الزائد . وهو أي الإلهام تألق وانجذب عند ((دي لاكروا )) و (( فيليكس )) بينما يرى (( ديكارت وبرغسون و اوستن وارين )) أن الإلهام عملية تأمّل لا شعوري ينتهي بالحدس .
ويبدو أن الفنان كما تزعم (( أديت ستويل )) يحتفظ روحياً ونفسياً برؤياه كما يحتفظ الطفل بمباهج الكون حين تبدو له. وهو كنبي الله موسى عليه السلام يرى الإِله من خلال العلّيقة المحترقة ويرى (( لامب )) أن الفنان يحلم في اليقظة بينما يرى ((بول فاليري)) أن الملهم تستلب إِرادته فتنهال عليه الأفكار .وإِذا تجاوزنا ((لامب )) إلى ((بودلير )) نجد أن مبدأ الشعر عنده يعتمد على الطموح الإنساني إلى جمالٍ سامٍ يكمن بالحماسة وانخطاف الروح وهو أي الإلهام عند ((بالدوين )) إِشراق ذهني يأتي مما وراء الطبيعة وهذا يخالف ما قاله ((ادغار آلن بو )) من أن عملية الإلهام موجهة من الشعور ويرى (( فرويد )) أن الإلهام حالة اللاشعور – التسامي – بينما يعتبر تلميذه يونغ ان مصدر هذا الإلهام الإسقاط في اللاشعور الجمعي الذي تكوَّن ضمن بيئة معينة وتلقى مفاهيم مختلفة . لقد تحدث أرسطو عن التطهير الذي تحدثه المأساة فينا وأشار إلى الإلهام، ولكن يبقى أن نقول إِن الإلهام عملية معقدة لم يستطع الأدباء والشعراء ولا علماء النفس أن يجدوا لها التفسير النهائي وستبقى الآراء متضاربة ومختلفة حول ماهية الإلهام .فهو كالروح سر من أسرار الوجود يشع ولا نرى مصدر إشعاعه ويتحدث ولا تبصر فمه ويسري في عروقنا ولا نلمسه بأيدينا .
إِن التفسير الخرافي الذي تبنّاه شعراء العرب سابقاً يجعلنا نؤكد أن عملية الإلهام عملية معقدة وهذا ما جعلهم ينسبون الشعر لشياطينهم حتى أنهم جعلوا بعض هذه الشياطين ذكوراً وبعضها إناثاً (( ولي صاحب من بني الشيصبان / فطوراً أقول وطوراً هو )) وقد بقيت التفسيرات الأدبية لمصدر الإلهام غامضة حتى جاء فرويد وتبنى نظرية جديدة في تفسير عملية الإلهام وما يميز نظرية فرويد هذه عن غيرها أن فرويد زعم أن أفعالنا تحفزها قوى نفسية لا نعرف الكثير عنها وأن هذه القوى الغامضة لا نستطيع التحكم بها إذ أنَّ مركز الثقل في الحياة النفسية الإنسانية هو اللاشعور ولا يمكن لنا أن نعرف هذا ((اللاشعور )) إلا من خلال تأثيره اللاحق في حياتنا وبعد فوات الأوان فالعمليات الواعية تكون واعية لفترة قصيرة ترتد بعدها إلى دائرة / اللاوعي / وهذا / اللاوعي / عالم محوط بالأسرار العميقة ويميز فرويد بين نوعين من / اللاوعي / نوع يمكن تحويله بسهولة وبشروط إنسانية إلى وعي ونوع يستحيل تحويله إلى وعي إلاّ بمعجزة كبيرة .
وقد أفسخ فرويد مجالاً للواقع الجنسي في اللاوعي الإنساني وهذا ما أخذ ّ عليه وقد رفض ذلك تلميذاه (( يونغ وإدلر )) .
هذا وقد قسم فرويد المناطق النفسية إلى منطقة ال/ هو / وهي مركز الثقل في حياتنا النفسية وخزّان الدافع الجنسي ومنبع الطاقات الحيوية فينا يحكم هذه المنطقة مبدأ اللذة وإِشباع الغريزة وهذه المنطقة تعادي وتكره المنطق ولا تعرف القيم الاجتماعية ولا الضوابط الخلقية تنطوي على دوافع متناقصة يمكن لها أن تتجاوز دون مشكلة غايتها إِرضاء الغرائز وهي مدمرّة في نهاية المطاف لا تهتم بسلامة الذات والآخرين .
ومنطقة ال (أنا ) وتعتبر النظم الأول لطاقات ال(هو) والرقيب عليها تنظم الدوافع على نحو يسمح به الواقع ويرضى به المجتمع حيث تجنّب الذات النهاية المدمرة فما يسمح به الواقع يلبى وما لا يسمح به يدفع إلى أعماق ال (هو) فإذا كان عسيراً تحول إلى /عقد / ويعتبر الجزء الكبير من منطقة الأناغير واعٍ ويسمى الجزء الواعي منه/ العقل الواعي / .
ويسند على الأنا دور الوسيط بين ((اللاوعي )) و(( العالم الخارجي ))وبين الرغبات غير المحدودة التي تقّرها الظروف والشروط الواقعية . ومنطقة الأنا الأعلى وهي المنظم الثاني لمنطقة ال((هو )) والحارس المتيقظ عليها خزان الأخلاق والمروءة والضمير الجزء الكبير منه غير واعٍ وهي قوة هامة يستنجد بها المجتمع لحماية نفسه من النزوات والرغبات والغرائز المدمرّة والتي لا يستطيع ال (( أنا )) وحدة تدبيرها أو كبحها أو لجمها يمارس عمله من خلال ال (( أنا )) أو مباشرة يقف أمام اندفاع اللاوعي عندما لا يقره المجتمع وينمو من خلال تربية الأسرة والمربين وهو محكوم بمبدأ الأخلاق ومبدأ الثواب والعقاب، فإذا كان نشيطاً أدى إلى الإحساس بالذنب .
هذا التقسيم الذي تبناه فرويد لاقى أستحساناً من قبل الأدباء و دارسي الأدب و ساهم بشكل كبير في فهم عملية الإبداع ورغم أن فرويد حيى بأنه مكتشف اللاوعي في الاحتفال بعيد ميلاه السبعين إِلا انه أشار إلى أن الشعراء والفلاسفة هم مكتشفو اللاوعي وما كشفه فرويد هو المنهج العلمي لدراسة اللاوعي إِن علم النفس يقول/رينيه ويليك/ و/ أوستن وارين / في كتابهما (نظرية الأدب ) ساهم في الكشف عن عملية الإبداع , وفي نبش خبايا نفس المبدع وفي الكشف عن غوامض العمل الأدبي (2) .
وفي دراسة نفسية الكاتب يبدو أن العبقرية لدى الكاتب / الشاعر / كانت تقرن بالجنون عند الإغريق وتنسب إلى شياطين الشعر في وادي عبقر عند العرب وأصبحت حديثاً تؤوّل بالمدى الممتد من العصاب إلى الذهان فالشاعر رجل مجذوب عند البعض والموهبة تعويض عن نقص عند الكاتب على مبدأ كل ذي عاهة جبار فقد كان أبو حيان التوحيدي أعور وابن سيدة اللغوي الأندلسي أعمى وكذلك بشار بن برد وأبو العلاء المعري وربيعة الرقي وطه حسين وعبد الله البردوني وكان بيتهوفن أصم وكتيس قصيراً وبروست عصابياً وبايرون أعرج وبوب أحدب ، فالكاتب عند فرويد عصابي عنيد يصون نفسه بوساطة العمل الأدبي من الانفجار وتثير نظرية الفن كعصاب التي تبناها الكثير من المفكرين مسألة علاقة المخيلة بالاعتقاد ، فالروائي يشبه الطفل الحالم الذي يحكي لنا الحكايات فيخلط عالم الواقع بتخيل من عالم آلامه وآماله ومخاوفه ويرى أليوت أن الفنان أكثر بدائية كما هو أكثر تمدناً من معاصرية وباعتبار أنّ الكاتب عضو في مجتمعه فهو أكثر الناس تمكناً في التعبير عن أحاسيسه رغم أنه ليس أكثر الناس إِحساساً ، ويوفرّ الكتَّاب والشعراء المادة الخصبة للمحلل النفسي لأن شخصيات أعمالهم تمثل أنموذجاً يمكن دراسته والحكم عليه إِن / أوستن وارين / يعتبر الشاعر حالم يقظة يحظى بقبول المجتمع وبدلاً من أن يغير شخصيته ينمي خيالاته وينشرها (3) .
يقول فرويد ((الفنان في الأصل رجل تحول عن الواقع لأنه لم يستطع أن يتلائم مع مطلب نبذ الإشباع الغريزي فأطلق الفنان كامل رغباته الغرامية ومطامحه الذاتية في حياة الخيال ثم وجد طريقاً للعودة من عالم الخيال إلى عالم الواقع وهو يصوغ نوعاً آخر من الواقع / العمل الأدبي / )) .
إِن الأديب إِنسان شفّاف مشرق الروح والفكر تتميز أعصابه بحساسية دقيقة تكتشف الواقع بكل أبعاده ومعانيه وتتحسس الصعوبات التي تتوضع في حياة الآخرين سواء أكانت فكرية أم اجتماعية أم فلسفية وهو في الوقت نفسه يعشق الجمال والكمال المطلق بفطرته التي وهبها الله له وباعتبار أن الصراع قائم بين ما هو واقع / فعل _ فكر غير مرضي / وبين طموح الانسان لبلوغ الكمال المطلق فإن الأديب يرسم لنا صورة هذا الصراع ويفترض الحلول المشرقة لصورة الواقع المشّوهة. فصورة المرآة في الواقع أقل مكانة من صورتها في الأدب وكذلك صورة المعلم / كاد المعلم أن يكون رسولا / إذاً لا يقبل الواقع على ما هو عليه لأن شكل الكمال المطلق الموجود خياله وفكره .
وتدعونا دراسة نفسية الكاتب إلى الكشف عن القوانين النفسية التي تحكم الشخصيات التي يرسمها هؤلاء الكتاب في أعمالهم ذلك أن الإنسان هو محور الأدب وهذا ما يدعونا في قراءتنا لأي نص أن نجد نموذجاً لإنسان ما يحملنا على التفكير في الأسباب التي دعت هذا الأنموذج من الناس إلى التصرف على هذه الشاكلة أو تلك ./ فدون كيشوت سير فانتس / قتل مجموعة من الأغنام وتصورها أعداء له ولما اكتشف أنها أغنام وليست بشر قال : الحمد لله الذي مسخ أعدائي أغناماً وكذلك فعل الشاعر العربي (( الراعي النميري)) المصاب بلوثة في تفكيره مع كلب وظاناً أنه لص .وأوديب تزوج أمه وقتل أباه وشهريار كان مولعاً بالزواج والقتل يتزوج كل ليلة أمرأة ويقتلها في الصباح وشخصيات قصائد نزار قباني من النساء لأن مأساة أخته وصال بقيت ماثلة أمام عينيه .
وكثيراً ما يعكس الكاتب دوافعه النفسية على لسان شخصياته أو كثيراً ما تندفع الشخصيات بالحديث المختبئ في عمق وجدان الكاتب ذلك أن الكاتب عضو في مجتمع يستمد منه أفكاره وتؤثر فيه معطياته .
إن شخصيات قصة / أرزاق يا دنيا أرزاق / للكاتب السعودي علوي طه الصافي هي شخصيات من صميم المجتمع تحكمها دوافع نفسية راسبة في أعماق لا وعيهم فأعظم شخصية في هذه القصة تحكمها آلام القهر والصمت والفقر وأكثر ما يبعث التناقض في حياة هذه الشخصية أن المغنّي يجمع الملايين بينما الملايين لا يجدون إلا أوراق الشجر طعاماً لهم ، وكذلك شخصية الزوج السكير في قصة / شمس صغيرة / لزكريا تامر فهو حالم يقظه يتصور الخروف جنياً يمكن أن يقدم جدار من الذهب التي وعده إياها ويمكن له بذلك أن يحل مشكلة الفقر التي تسيطر عليه وتسير حياته ، أنه رجل تحكمه ال (هو ) بما فيها من رغبات وغرائز .
وبناءً على ذلك يمكننا أن نجمل القول بأن علم النفس دخل في صميم الأدب وأصبح مسباراً فعالاً يساهم في الكشف عن جوانب العمل الأدبي وفي نبش ذات الكاتب وتوضيح اتجاهاته وهو ضرورة هامة من ضرورات الأدب [/size].[/align]
(( سيكولوجيا الأدب ))
حسين علي الهنداوي
سورياــ درعا
تعد العلاقة شديدة الاتصال بين الأدب وعلم النفس . وحسب الأدب أن يكون واضعه ومتلقيه ومحرره إنساناً حتى يغري دارسه بدراسته.
ويقدم علم النفس المفاتيح السحرية لدراس الأدب تجربة وإبداعاً وتحليلاً ولقد استخدم المنهج النفسي في دراسة الأدب منذ القديم ومع أنه بقي غير كاف في توضيح جميع جوانب الأدب إلا أنه يبقى مفيداً في الكشف عن غوامض وخبايا العمل وصاحبه .
يقول الدكتور محمد مندور في كتابه (( في الأدب والنقد ))ص 188 :
((أما علاقة الأدب بالفرد فتدور حول الحاجات الإنسانية التي يمكن أن يشبعها كفن جميل وكأداة للتعبير عند الفرد . وأهم مبحث هو تحليل حاسة الجمال عند البشر والبحث عن أصولها وأهدافها المختلفة والتمييز بين مفارقاتها فهناك الشيء الجميل أو اللطيف أو الجليل ومن حيث أن الأدب تعبير جمالي نفسي فعلى علم الجمال الأدبي أن يقف عند (( نظرية انتقال المشاعر )) كأن يحب الشاعر مثلاً كلب معشوقته من أجلها)). والشعراء العرب كثيراً ما كانوا يحبون ديار محبوباتهم لأنها تمثل هذه المحبوبة.
وما حبّ الديار شغفن قلبي ولكن حبّ من سكن الديارا
وما وصف الأطلال عند شعراء الجاهلية إلاّ بشخصيات نوعاً من هذه النظرة (( انتقال المشاعر )) وإذا كان من اللزام على الدارس أن ينبش الكنوز المختبئة في بواطن الأدب فإن من المفيد له أن يمعن النظر في عملية الإبداع وفي المبدع نفسه والقوانين النفسية المتحكّمة بشخصيات العمل الأدبي وبالأدب نفسه وسنفصّل القول في هذه القضايا.ففي دراسة عملية الإبداع وآليتها يمكن لنا أن نشير إلى نظرية الإلهام عند أفلاطون الذي يعتبر أن المقدرة الإبداعية عند الأديب هي (( الحماسة أو الحب )) –إيروس –ويرى أن مصدر هذا الإلهام هو الوحي الإلهي حيث تدفع (( ربات الشعر )) موضوعات الشاعر له وعلى هذا فإنه يمكن للآلهة أن تنزع العقل عن الشعراء وتستخدمهم كهاناً أو سحرة ملهمين .
وتقوم عمليّة الإلهام عنده على تذكرّ الإنسان لما رآه من صور وماهيّات في عالم المثل الذي كانت تحيا فيه النفس ومن ثمّ تقليد هذه الصور في عالم المحسوسات مما يجعل الشاعر يحسّ بالجزع والحزن الذي يعقبه شعور بالحماسة يدفع الشعر على شكل أغانٍ.وأكثر الشعراء مدانون بأشعارهم الجميلة للحماسة ولنوع من الغييبوبة لا للفن وهم يشبهون على حد قول أفلاطون كهّان الآلهة (( سيبلي )) الذين لا يرقصون إِلا إِذا خرجوا عن شعورهم وهذه الحالة تشبه حالة الوجد والشوق عند بعض فرق الصوفية في بلادنا والتي ترقص إِذا هي أتحدث بالغيب وتجاوزت الوجود وقد اتبع أصحاب المذهب الرومانسي طريق أفلاطون وترسّم خطاه وصبغوه بلون من التصّوف فعند ((فكتورهيغو)) الشاعر ساحر يسمع ويردّد ما يتلقاه من عالم الغيب بينما يرى ((شيلي)) أن الشاعر ينقل للناس رسالة من عند الله .
لقد كانت نظرة الرومانسيين الأوروبيين للإِلهام تلتقي مع نظرتهم للطبيعة فكلامها هبة من الله .
ويعتبر الإمام أبو حامد الغزالي أن الإلهام كالضوء من سراج الغيب يقع على قلب صافٍ لطيفٍ فارغ .
بينما يرى محي الدين بن عربي أن الإلهَام ظاهرة ممكنة الحدوث لأيّ إنسان بشروطٍ هي :
- إيمان هذا الإنسان بقدرة القوة الخارقة /الله / .
- كون الإنسان صافي الذهن .
- استعداده لإدراك لطائف المعرفة .
ولكنه أي (( ابن عربيّ )) كأفلاطون يرى أن الإلهام فيض يتلقاه الإنسان من خارج الذّات .
ويعد ابن سينا الإلهام حدساً أو إِشراقاً يتحصل في النفس فتدرك الموجودات والمعقولات بما تستفيد ه من العقل الفعال وقد يكون الإلهام رؤيا بينما يكون الحدس متفاوتاً بين الناس ولا يمكن التوصل للعقل الفعال إِلا بالاتصال بالله و ملائكته وقد أعتبر ابن سينا الإلهام طريقة لتحصيل المعرفة من العقل الفعّال وترى الاتجاهات الحديثة وعلى رأسها ((ووردزوورث )) أن الشعر تعبير عن انفعال مستعاد بهدوء تظهر فيه غريزة إِظهار النفس ((حبّ الظهور )) وهذه الغريزة الاجتماعية ناجمة عن الرغبة في التعاطف ،والتلذذ بإِنشاء شيء جديد الشاعر كالطفل ينشئ لينفّسَ عن وجدانه الزائد . وهو أي الإلهام تألق وانجذب عند ((دي لاكروا )) و (( فيليكس )) بينما يرى (( ديكارت وبرغسون و اوستن وارين )) أن الإلهام عملية تأمّل لا شعوري ينتهي بالحدس .
ويبدو أن الفنان كما تزعم (( أديت ستويل )) يحتفظ روحياً ونفسياً برؤياه كما يحتفظ الطفل بمباهج الكون حين تبدو له. وهو كنبي الله موسى عليه السلام يرى الإِله من خلال العلّيقة المحترقة ويرى (( لامب )) أن الفنان يحلم في اليقظة بينما يرى ((بول فاليري)) أن الملهم تستلب إِرادته فتنهال عليه الأفكار .وإِذا تجاوزنا ((لامب )) إلى ((بودلير )) نجد أن مبدأ الشعر عنده يعتمد على الطموح الإنساني إلى جمالٍ سامٍ يكمن بالحماسة وانخطاف الروح وهو أي الإلهام عند ((بالدوين )) إِشراق ذهني يأتي مما وراء الطبيعة وهذا يخالف ما قاله ((ادغار آلن بو )) من أن عملية الإلهام موجهة من الشعور ويرى (( فرويد )) أن الإلهام حالة اللاشعور – التسامي – بينما يعتبر تلميذه يونغ ان مصدر هذا الإلهام الإسقاط في اللاشعور الجمعي الذي تكوَّن ضمن بيئة معينة وتلقى مفاهيم مختلفة . لقد تحدث أرسطو عن التطهير الذي تحدثه المأساة فينا وأشار إلى الإلهام، ولكن يبقى أن نقول إِن الإلهام عملية معقدة لم يستطع الأدباء والشعراء ولا علماء النفس أن يجدوا لها التفسير النهائي وستبقى الآراء متضاربة ومختلفة حول ماهية الإلهام .فهو كالروح سر من أسرار الوجود يشع ولا نرى مصدر إشعاعه ويتحدث ولا تبصر فمه ويسري في عروقنا ولا نلمسه بأيدينا .
إِن التفسير الخرافي الذي تبنّاه شعراء العرب سابقاً يجعلنا نؤكد أن عملية الإلهام عملية معقدة وهذا ما جعلهم ينسبون الشعر لشياطينهم حتى أنهم جعلوا بعض هذه الشياطين ذكوراً وبعضها إناثاً (( ولي صاحب من بني الشيصبان / فطوراً أقول وطوراً هو )) وقد بقيت التفسيرات الأدبية لمصدر الإلهام غامضة حتى جاء فرويد وتبنى نظرية جديدة في تفسير عملية الإلهام وما يميز نظرية فرويد هذه عن غيرها أن فرويد زعم أن أفعالنا تحفزها قوى نفسية لا نعرف الكثير عنها وأن هذه القوى الغامضة لا نستطيع التحكم بها إذ أنَّ مركز الثقل في الحياة النفسية الإنسانية هو اللاشعور ولا يمكن لنا أن نعرف هذا ((اللاشعور )) إلا من خلال تأثيره اللاحق في حياتنا وبعد فوات الأوان فالعمليات الواعية تكون واعية لفترة قصيرة ترتد بعدها إلى دائرة / اللاوعي / وهذا / اللاوعي / عالم محوط بالأسرار العميقة ويميز فرويد بين نوعين من / اللاوعي / نوع يمكن تحويله بسهولة وبشروط إنسانية إلى وعي ونوع يستحيل تحويله إلى وعي إلاّ بمعجزة كبيرة .
وقد أفسخ فرويد مجالاً للواقع الجنسي في اللاوعي الإنساني وهذا ما أخذ ّ عليه وقد رفض ذلك تلميذاه (( يونغ وإدلر )) .
هذا وقد قسم فرويد المناطق النفسية إلى منطقة ال/ هو / وهي مركز الثقل في حياتنا النفسية وخزّان الدافع الجنسي ومنبع الطاقات الحيوية فينا يحكم هذه المنطقة مبدأ اللذة وإِشباع الغريزة وهذه المنطقة تعادي وتكره المنطق ولا تعرف القيم الاجتماعية ولا الضوابط الخلقية تنطوي على دوافع متناقصة يمكن لها أن تتجاوز دون مشكلة غايتها إِرضاء الغرائز وهي مدمرّة في نهاية المطاف لا تهتم بسلامة الذات والآخرين .
ومنطقة ال (أنا ) وتعتبر النظم الأول لطاقات ال(هو) والرقيب عليها تنظم الدوافع على نحو يسمح به الواقع ويرضى به المجتمع حيث تجنّب الذات النهاية المدمرة فما يسمح به الواقع يلبى وما لا يسمح به يدفع إلى أعماق ال (هو) فإذا كان عسيراً تحول إلى /عقد / ويعتبر الجزء الكبير من منطقة الأناغير واعٍ ويسمى الجزء الواعي منه/ العقل الواعي / .
ويسند على الأنا دور الوسيط بين ((اللاوعي )) و(( العالم الخارجي ))وبين الرغبات غير المحدودة التي تقّرها الظروف والشروط الواقعية . ومنطقة الأنا الأعلى وهي المنظم الثاني لمنطقة ال((هو )) والحارس المتيقظ عليها خزان الأخلاق والمروءة والضمير الجزء الكبير منه غير واعٍ وهي قوة هامة يستنجد بها المجتمع لحماية نفسه من النزوات والرغبات والغرائز المدمرّة والتي لا يستطيع ال (( أنا )) وحدة تدبيرها أو كبحها أو لجمها يمارس عمله من خلال ال (( أنا )) أو مباشرة يقف أمام اندفاع اللاوعي عندما لا يقره المجتمع وينمو من خلال تربية الأسرة والمربين وهو محكوم بمبدأ الأخلاق ومبدأ الثواب والعقاب، فإذا كان نشيطاً أدى إلى الإحساس بالذنب .
هذا التقسيم الذي تبناه فرويد لاقى أستحساناً من قبل الأدباء و دارسي الأدب و ساهم بشكل كبير في فهم عملية الإبداع ورغم أن فرويد حيى بأنه مكتشف اللاوعي في الاحتفال بعيد ميلاه السبعين إِلا انه أشار إلى أن الشعراء والفلاسفة هم مكتشفو اللاوعي وما كشفه فرويد هو المنهج العلمي لدراسة اللاوعي إِن علم النفس يقول/رينيه ويليك/ و/ أوستن وارين / في كتابهما (نظرية الأدب ) ساهم في الكشف عن عملية الإبداع , وفي نبش خبايا نفس المبدع وفي الكشف عن غوامض العمل الأدبي (2) .
وفي دراسة نفسية الكاتب يبدو أن العبقرية لدى الكاتب / الشاعر / كانت تقرن بالجنون عند الإغريق وتنسب إلى شياطين الشعر في وادي عبقر عند العرب وأصبحت حديثاً تؤوّل بالمدى الممتد من العصاب إلى الذهان فالشاعر رجل مجذوب عند البعض والموهبة تعويض عن نقص عند الكاتب على مبدأ كل ذي عاهة جبار فقد كان أبو حيان التوحيدي أعور وابن سيدة اللغوي الأندلسي أعمى وكذلك بشار بن برد وأبو العلاء المعري وربيعة الرقي وطه حسين وعبد الله البردوني وكان بيتهوفن أصم وكتيس قصيراً وبروست عصابياً وبايرون أعرج وبوب أحدب ، فالكاتب عند فرويد عصابي عنيد يصون نفسه بوساطة العمل الأدبي من الانفجار وتثير نظرية الفن كعصاب التي تبناها الكثير من المفكرين مسألة علاقة المخيلة بالاعتقاد ، فالروائي يشبه الطفل الحالم الذي يحكي لنا الحكايات فيخلط عالم الواقع بتخيل من عالم آلامه وآماله ومخاوفه ويرى أليوت أن الفنان أكثر بدائية كما هو أكثر تمدناً من معاصرية وباعتبار أنّ الكاتب عضو في مجتمعه فهو أكثر الناس تمكناً في التعبير عن أحاسيسه رغم أنه ليس أكثر الناس إِحساساً ، ويوفرّ الكتَّاب والشعراء المادة الخصبة للمحلل النفسي لأن شخصيات أعمالهم تمثل أنموذجاً يمكن دراسته والحكم عليه إِن / أوستن وارين / يعتبر الشاعر حالم يقظة يحظى بقبول المجتمع وبدلاً من أن يغير شخصيته ينمي خيالاته وينشرها (3) .
يقول فرويد ((الفنان في الأصل رجل تحول عن الواقع لأنه لم يستطع أن يتلائم مع مطلب نبذ الإشباع الغريزي فأطلق الفنان كامل رغباته الغرامية ومطامحه الذاتية في حياة الخيال ثم وجد طريقاً للعودة من عالم الخيال إلى عالم الواقع وهو يصوغ نوعاً آخر من الواقع / العمل الأدبي / )) .
إِن الأديب إِنسان شفّاف مشرق الروح والفكر تتميز أعصابه بحساسية دقيقة تكتشف الواقع بكل أبعاده ومعانيه وتتحسس الصعوبات التي تتوضع في حياة الآخرين سواء أكانت فكرية أم اجتماعية أم فلسفية وهو في الوقت نفسه يعشق الجمال والكمال المطلق بفطرته التي وهبها الله له وباعتبار أن الصراع قائم بين ما هو واقع / فعل _ فكر غير مرضي / وبين طموح الانسان لبلوغ الكمال المطلق فإن الأديب يرسم لنا صورة هذا الصراع ويفترض الحلول المشرقة لصورة الواقع المشّوهة. فصورة المرآة في الواقع أقل مكانة من صورتها في الأدب وكذلك صورة المعلم / كاد المعلم أن يكون رسولا / إذاً لا يقبل الواقع على ما هو عليه لأن شكل الكمال المطلق الموجود خياله وفكره .
وتدعونا دراسة نفسية الكاتب إلى الكشف عن القوانين النفسية التي تحكم الشخصيات التي يرسمها هؤلاء الكتاب في أعمالهم ذلك أن الإنسان هو محور الأدب وهذا ما يدعونا في قراءتنا لأي نص أن نجد نموذجاً لإنسان ما يحملنا على التفكير في الأسباب التي دعت هذا الأنموذج من الناس إلى التصرف على هذه الشاكلة أو تلك ./ فدون كيشوت سير فانتس / قتل مجموعة من الأغنام وتصورها أعداء له ولما اكتشف أنها أغنام وليست بشر قال : الحمد لله الذي مسخ أعدائي أغناماً وكذلك فعل الشاعر العربي (( الراعي النميري)) المصاب بلوثة في تفكيره مع كلب وظاناً أنه لص .وأوديب تزوج أمه وقتل أباه وشهريار كان مولعاً بالزواج والقتل يتزوج كل ليلة أمرأة ويقتلها في الصباح وشخصيات قصائد نزار قباني من النساء لأن مأساة أخته وصال بقيت ماثلة أمام عينيه .
وكثيراً ما يعكس الكاتب دوافعه النفسية على لسان شخصياته أو كثيراً ما تندفع الشخصيات بالحديث المختبئ في عمق وجدان الكاتب ذلك أن الكاتب عضو في مجتمع يستمد منه أفكاره وتؤثر فيه معطياته .
إن شخصيات قصة / أرزاق يا دنيا أرزاق / للكاتب السعودي علوي طه الصافي هي شخصيات من صميم المجتمع تحكمها دوافع نفسية راسبة في أعماق لا وعيهم فأعظم شخصية في هذه القصة تحكمها آلام القهر والصمت والفقر وأكثر ما يبعث التناقض في حياة هذه الشخصية أن المغنّي يجمع الملايين بينما الملايين لا يجدون إلا أوراق الشجر طعاماً لهم ، وكذلك شخصية الزوج السكير في قصة / شمس صغيرة / لزكريا تامر فهو حالم يقظه يتصور الخروف جنياً يمكن أن يقدم جدار من الذهب التي وعده إياها ويمكن له بذلك أن يحل مشكلة الفقر التي تسيطر عليه وتسير حياته ، أنه رجل تحكمه ال (هو ) بما فيها من رغبات وغرائز .
وبناءً على ذلك يمكننا أن نجمل القول بأن علم النفس دخل في صميم الأدب وأصبح مسباراً فعالاً يساهم في الكشف عن جوانب العمل الأدبي وفي نبش ذات الكاتب وتوضيح اتجاهاته وهو ضرورة هامة من ضرورات الأدب [/size].[/align]
اللهم أرحم والدي وأجعل قبره روضا من رياض الجنة
Please تسجيل الدخول or إنشاء حساب.. to join the conversation.
الوقت لإنشاء الصفحة: 0.377 ثانية
جميع الحقوق محفوظة موقع الأستاذ الجامعي الجزائري © 2026.
جوملا برنامج 'حر مفتوح المصدر' نُشر بموجب رخصة جنو العمومية العامة GNU/GPL.